فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 672

هذا والنبي - صلى الله عليه وسلم - رحيم بالمؤمنين، وحريص عليهم، ويحب اليسر في الأمور كلها ويأمر أمته بالأخذ برخص الله، ولكن الشهادة لها شأن آخر، ففوتها خسارة كبيرة، وحصولها فوز عظيم، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يمنع أحد من الخروج إلى طلب الشهادة، ولو كان ممن عذره الله بالقعود وعدم الطلب كالأعرج.

فعن عكرمة مولى بن عباس قال: (كان عمرو بن الجموح شيخا من الأنصار، أعرجا، فلما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بدر، قال لبنيه: أخرجوني، فذُكر للنبي عرجه وحاله، فأذن له في المقام، فلما كان يوم أحد خرج الناس، فقال لبنيه: أخرجوني، فقالوا: قد رخّص لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأذن، قال: هيهات منعتموني الجنة ببدر وتمنعونيها بأحد، فخرج، فلما التقى الناس، قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن قتلت اليوم أطأ بعرجتي هذه الجنة؟ قال:(نعم) قال: فوالذي بعثك بالحق لأطأنّ بها الجنة اليوم إن شاء الله، فقال لغلام له كان معه يقال له سليم: ارجع إلى أهلك، قال: وما عليك أن أصيب اليوم خيرا معك، قال: فتقدّم إذا، قال: فتقدم العبد فقاتل حتى قتل، ثم تقدم وقاتل هو حتى قتل) رواه ابن المبارك في الجهاد، وفيه إرسال.

وروى البيهقي في السنن عن ابن إسحاق: حدثني والدي إسحاق بن يسار، عن أشياخ من بني سلمة قالوا: (كان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج، وكان له أربعة بنون شباب يغزون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا غزا، فلما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتوجه إلى أحد، قال له بنوه: إن الله عز وجل قد جعل لك رخصة، فلو قعدت فنحن نكفيك، فقد وضع الله عنك الجهاد، فأتى عمرو بن الجموح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: يا رسول الله، إن بني هؤلاء يمنعونني أن أخرج معك، ووالله إني لأرجو أن أستشهد معك فأطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم:(أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد) وقال لبنيه: (وما عليكم أن تدعوه لعل الله عز وجل يرزقه الشهادة) فخرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقتل يوم أحد شهيدا) وفيه جهالة ولكن يشهد له ما قبله.

وعن عامر بن سعد عن أبيه قال: (رأيت أخي عمير بن أبي وقاص قبل أن يعرضنا رسول الله للخروج إلى بدر يتوارى، فقلت: ما لك يا أخي؟ فقال: إني أخاف أن يراني رسول الله فيستصغرني فيردني، وأنا أحب الخروج، لعل الله يرزقني الشهادة، قال: فعُرض على رسول الله فاستصغره فقال:(ارجع) فبكى عمير، فأجازه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال سعد: فكنت أعقد له حمائل سيفه من صغره، فقتل في بدر وهو ابن ستة عشر سنة، وقتله عمرو بن عبد ود) رواه ابن سعد في الطبقات وفيه الواقدي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت