وأما إقدام الزبير، فلعله لم يبلغه النهي في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان بلغه النهي، فلعله تأول جواز ذلك لمن صح توكله ويقينه.
شهادة الطاعون أقرب الشهادات إلى شهادة المعركة، وأفضل من غيرها من الشهادات، وهي قريبة في الفضل والمنزلة من شهادة المعركة، ولا شك أن شهادة المعركة أفضل من غيرها من الشهادات ومن شهادة الطاعون، ولكن شهادة الطاعون قريبة من شهادة المعركة دون غيرها من الشهادات، وشهيد الطاعون قريب من شهيد المعركة، والأدلة على هذا:
1.أخرج أحمد بإسناد حسن - كما ذكر الحافظ في الفتح - عن عتبة بن عبد السلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (يأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون، فيقول أصحاب الطاعون: نحن شهداء، فيقال: انظروا فإن كان جراحهم كجراح الشهداء تسيل دما وريحها المسك فهم شهداء، فيجدونها كذلك) .
2.روى أحمد والنسائي بسند حسن - كما قال الحافظ في الفتح- عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (يختصم الشهداء والمتوفون على فرشهم إلى ربنا في الذين يتوفون من الطاعون، فيقول الشهداء إخواننا قتلوا كما قتلنا، ويقول الذين ماتوا على فرشهم إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا، فيقول الله تعالى:(انظروا إلى جراحهم فإن أشبهت جراح المقتولين فإنهم منهم، فإذا جراحهم أشبهت جراحهم ) ) أي فإذا جراح المطعونين أشبهت جراح المقتولين، وفي رواية (فيلحقون بهم) .
قال السندي في حاشيته على النسائي:"لاشك أن مقصود الشهداء بذلك إلحاق المطعون معهم ورفع درجته إلى درجاتهم، وأما الأموات على الفرش فلعله ليس مقصودهم أصالة أن لا ترفع درجة المطعون إلى درجات الشهداء، فإن ذلك حسد مذموم وهو منزوع عن القلوب في ذلك الدار، وإنما مرادهم أن ينالوا درجات الشهداء كما نال المطعون مع موته على الفراش، فمعنى قولهم (إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا) أي فإن نالوا مع ذلك درجات الشهداء ينبغي أن ننالها أيضا، وعلى هذا فينبغي أن يعتبر هذا الخصام خارج الجنة وإلا فقد جاء فيها (ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم) فينبغي"