عني، ثم قال: ادع لي من كان ها هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم، فلم يختلف منهم عليه رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه، قال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟ نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان، إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا في بعض حاجته، فقال: إن عندي في هذا علما، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه) قال فحمد الله عمر ثم انصرف) رواه البخاري، وعدوتا الوادي أي جانباه.
ولما في القدوم من إلقاء النفس في التهلكة، فهو كمن أراد الدخول إلى دار، فرأى بها مثلا حريقا تعذر طفؤه، فعدل عن دخولها لئلا تصيبه.
فإن قيل: روى ابن أبي شيبة بسند جيد - كما قال الحافظ في الفتح - عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: جئت عمر حين قدم، فوجدته قائلا في جنانه، فانتظرته في ظل الخباء، فسمعته يقول حين تضور: (اللهم اغفر لي رجوعي من سرغ) فهذا يدل على أنه ندم على رجوعه، وأيضا ورد عن الزبير رضي الله عنه بسند صحيح - كما قال الحافظ - عند ابن خزيمة (أن الزبير رضي الله عنه خرج غازيا نحو مصر، فكتب إليه أمراء مصر أن الطاعون قد وقع، فقال: إنما خرجنا للطعن والطاعون، فدخلها، فلقي طعنا في جبهته، ثم سلم) فما الجواب عليه؟
والجواب: أنه استدل به قوم على جواز الإقدام على البلد التي فيها الطاعون، لمن غلب عليه التوكل وأيقن أن دخولها لا يجلب إليه قدرا لم يقدره، والانصراف عنه رخصة، وحملوا النهي على التنزيه، لكن الأدلة الصحيحة الصريحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تدل على أنه لا يجوز ذلك، وأما استغفار عمر، فيحتمل أن يكون سبب ندمه أنه خرج لأمر مهم من أمور المسلمين فلما وصل إلى قرب البلد المقصود رجع، مع أنه كان بإمكانه أن يقيم بالقرب من البلد المقصود إلى أن يرتفع الطاعون، فيدخل إليها ويقضي حاجة المسلمين، ويؤيد ذلك أن الطاعون ارتفع عن قرب، فلعله بلغه ذلك فندم على رجوعه إلى المدينة، فرأى أنه لو انتظر لكان أولى، لما في رجوعه على العسكر الذي كان بصحبته من المشقة، والخبر لم يرد بالرجوع، إنما ورد بالنهي عن القدوم ذكر ذلك الحافظ في الفتح.