أدنى درجة لأهل الجنة يجعل لأصحابها مثل ملك من ملوك الدنيا وعشرة أمثاله وأضعافه، لا في مساحة ملكه في الجنة، ولا في النعيم والترف والخدم والأملاك والأموال، كما قال تعالى عن الأبرار وهم دون المقربين {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا} الإنسان.
وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( سأل موسى ربه ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجئ بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: أدخل الجنة، فيقول: أي رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فيقول: رضيت رب، قال: رب فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدى، وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولن يخطر على قلب بشر، قال: ومصداقه في كتاب الله عز وجل"فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) الآية) رواه مسلم."
وإذا كان هذا في أدنى أهل الجنة منزلة، فكيف بملك الشهيد الذي هو من أعلى أهل الجنة منزلة، فلا شك أنه أعظم ملكا بأضعاف مضاعفة، بل لا يمكن حصر الفارق بينهما، إذ كلما علت الجنة كلما اتسعت واتسع ملكها، وبين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض، والجنة مائة درجة، والشهيد في أعلى الدرجات، فما ظنك بالبعد والفرق الذي بينه وبين أدنى الدرجات؟ البعد والفرق والسعة لا يوصف.
قال ابن النحاس في المشارع:"وقد صح أن الله سبحانه يعطي لآخر من خرج من النار ويدخل الجنة مثل الدنيا منذ خلقها الله إلى يوم فنائها وعشرة أضعافه، وإذا كان هذا ما لأدناهم فكيف بما لأعلاهم؟ وإذا كان هذا ما لأسفلهم درجة، فكيف بالمجاهد الذي يرفعه الله مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض؟ بل كيف بالشهيد عند ذي الجلال والإكرام من الفضل الجزيل والإنعام؟ والله لا يحصر ماله عند الله فهم، ولا يكفيه وهم، ولا يحيط به عقل، وناهيك قول الله سبحانه فيمن"