بعد أن ذكرنا لك يا أخي أن الشهيد يطير ويسرح في الجنة حيث شاء، نذكر لك فضيلة أخرى عظيمة تدل على عظم منزلة الشهيد ومحبة الله تعالى وتشريفه له، حيث أنه يأوي في ختام سرحانه وطيرانه في الجنة إلى مساكن من ذهب تكون معلقة في عرش الرحمن الذي هو أقرب المخلوقات إليه وأعظمها خلقا، ليحصل له بذلك القرب من الله تعالى، وينالوا الشرف العظيم في أن تكون مساكنهم في عرش الإله الذي يستوي عليه، وزيادة على هذا أن هذه المساكن من ذهب.
كما جاء في حديث ابن مسعود السابق في الشهداء: (أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوى إلى تلك القناديل) رواه مسلم، وفي حديث ابن عباس السابق في الشهداء (وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش) رواه أبو داود والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع.
وقوله في الرواية الأخرى في حديث ابن عباس (في ظل العرش) لاينافي أنها معلقة في العرش فإنها تعلق تحت العرش، وتكون في هذه الحال في ظل العرش.
وعبر عنها بالقناديل من شدة نورها وإضاءتها.
فياله من فضل لو كان للناس عقل، فهذه المساكن والقرب أعظم من نعيم الجنة بأسرها، ولو لم يكن للشهيد في البرزخ فضل إلا هو لكفى به فضلا وتشريفا، فكيف بالفضائل والكرامات الأخرى التي لا تعد ولا تحصر، ويالحسن ذلك الختام الذي يختم به الشهيد جولته وسرحانه وتنعمه في الجنة، وهذه القناديل هي سوى ما أعد له من القصور والدور، بل هي فضل آخر سواها يكون له في البرزخ.
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتاب الروح:"... إن منازل الشهداء ودورهم وقصورهم التي أعد الله لهم ليست هي تلك القناديل التي تأوي إليها أرواحهم في البرزخ قطعًا، فهم يرون منازلهم ومقاعدهم من الجنة، ويكون مستقرهم في تلك القناديل المعلقة بالعرش، فإن الدخول التام الكامل إنما يكون يوم القيامة، ودخول الأرواح الجنة في البرزخ أمر دون ذلك ..."انتهى.
الفضيلة الحادية والخمسون: الشهيد يرى الله تعالى ويجتمع مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - والأنبياء في البرزخ: