قال: بماذا أبشر؟ فوالله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت، قال: فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهما من كنانته فقتل به نفسه) وهذا مرسل.
وهي قرينة الرياء وقريبة منه، إذ المقصود منهما واحد، وهو طلب المدح والثناء والذكر بين الناس والمكانة في قلوبهم بعمل العبادة، ولكن الرياء يتعلق بالبصر والرؤية، والسمعة تتعلق بالسمع، فالرياء أن يجاهد ويعمل العبادة لرؤية الناس له فيثنى عليه بها، والسمعة أن يجاهد ويعمل العبادة لكي يذكر بين الناس بها وتعلو سمعته، وقد فرق بينهما في حديث أبي موسى السابق ذكره ففيه (يقاتل للذكر) وهذا للسمعة (ويقاتل ليرى مكانه) وهذا للرياء.
وكلا الأمرين مانع من موانع الشهادة، وصاحب هذا المقصد إذا قتل ليس بشهيد، قال - صلى الله عليه وسلم: (من سمع سمع الله به ومن يرائي يرائي الله به) رواه البخاري.
وحديث أبي هريرة الذي سبق في أول من تسعر بهم النار، وهذا الحديث يشمل الرياء والسمعة، فهذا جاهد ليقال عنه سواء بانتشار الذكر وهو السمعة، أو برؤيته وهو الرياء.
ومن التسميع حديث الشخص عن مغازيه وجهاده الذي فعله مخلصا لله تعالى لأجل طلب الثناء والمنزلة في قلوب الناس، فإنه محبط للأجر والثواب، أما حديث الشخص عن ذلك لغير مقصد المدح والثناء، بل لغرض صحيح أو للأقتداء، فإن ذلك جائز ولا يحبط الأجر، فقد ورد عن طلحة أنه حدث عن يوم أحد"رواه البخاري، قال الحافظ في الفتح:"وأما تحديث طلحة فهو جائز إذا أمن الرياء والعجب، ويترقى إلى الاستحباب إذا كان هناك من يقتدي بفعله". انتهى كلامه."
قال ابن النحاس:"فينبغي أن يتحرز الإنسان من إظهار عمله من جهاد وغيره، إلا أن تخلص له نية يثق بها في التحدث به لمن يعلم أنه يقتدي به، أو يزيد في قلبه قوة وجرأة وسماحة، مثل أن يذكر عن نفسه أنه ثبت لكذا وكذا فارس، وأنفق في سبيل الله كذا وكذا، وخاطر بنفسه في كذا وكذا، ونحو ذلك، فيقوى قلب السامع، ويجود بماله، أو نفسه، وتزول عن قلبه ظلمة الجبن والبخل، لأن النفوس"