فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 672

مجبولة على التحدي والتشبه بالأقران وببني الزمان، وهذا كان قصد السلف في ذكر ما يحكونه من أفعالهم رضي الله عنهم.

مع أنه وجد مقصوده في الاقتداء، يحصل بعزو ذلك الفعل إلى من لا يسميه، فلا أجد رخصة في إظهاره ونسبته إلى نفسه البتة، وذلك مثل أن يقول اتفق لبعض الغزاة كذا، أو لبعض من أدركناه كذا، أو رأيت شخصا وقع له كذا، أو أعرف رجلا جرى له كذا، ونحو هذه من العبارات، مما لا يفهم المخاطب أنه هو الفاعل، ويحصل به المقصود من الاقتداء ونحوه.

وقد كان أكثر السلف رضي الله عنهم يجتهدون على إخفاء أعمالهم مطلقا، وإن ظنوا أنه يقتدى بهم، لعدم ثقة المرء بنفسه في أكثر الأحوال، فإن الرياء كما جاء في الحديث (أخفى من دبيب النمل) رواه أحمد والطبراني من حديث أبي موسى، وقال - صلى الله عليه وسلم: (من سمع الناس بعمله سمع الله به سامع خلقه وصغره وحقره) رواه الطبراني بإسناد جيد من حديث عبد الله بن عمرو وفي الصحيحين أيضا (من سمع سمع الله به) أي من أظهر عمله وسمع الناس به، إعلاما لهم ورياء أظهر الله نيته الفاسدة، وفضحه على رؤوس الخلائق.

فلما علم الموفقون أن التحدث بالطاعة وإظهارها خطر عظيم، وأن دسائس النفس لا يحاط بأنواعها، أخفوا طاعاتهم ضنا بها وخوفا من إحباطها واكتفاء بإطلاع الله وعلمه، إذ هو المجازي عليها لا غيره، وأهم العبادات وأولاها بالستر والإخفاء ما هو بمفرده سبب للسعادة الأبدية، أو الشقاوة السرمدية وهو الجهاد". انتهى كلامه."

وقد ورد عن أبي موسى رضي الله عنه قال: (خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة ونحن ستة نفر، بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، وكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع، لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا، قال الراوي: وحدث أبو موسى بهذا ثم كره ذاك، قال: ما كنت أصنع بأن أذكره، كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه) رواه البخاري، وهذا من حرص الصحابة على إخفاء أعمالهم، خصوصا في الجهاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت