أصابهم في سبيله، وما ضعفوا، وما استكانوا، وما وهنوا عند القتل، ولا ضعفوا، ولا استكانوا، بل تلقوا الشهادة بالقوة والعزيمة والإقدام، فلم يستشهدوا مدبرين مستكينين أذلة، بل استشهدوا أعزة كراما مقبلين غير مدبرين"انتهى كلامه."
والإقبال وثبات القدم شرط في قبول الشهادة، فمن لم يقبل وفر وولى الدبر في القتال وقتل لم تقبل شهادته، والدليل على ذلك ما جاء عن أبي قتادة رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قام فيهم فذكر أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، قال: فقام رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي كلها؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر) ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (كيف قلت؟) قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين، فإن جبريل عليه السلام قال لي ذلك) رواه مسلم.
فاشترط لصحة الشهادة الإقبال، وقد توعد الله على من ولى الدبر في القتال، كما في آية الإنفال السابقة، وذلك يدل على أن من أدبر ولم يقبل ليس بشهيد.
وهو أن يحبس المجاهد والمقاتل نفسه على القتال وتوابعه، ويجبرها عليه إذا كرهته، وذلك يثمر الإقبال والثبات، فإذا حبس نفسه على القتال ثبت وأقبل، هذا هو الفرق بين الثبات والإقبال، وبين الصبر، فالصبر يكون بالقلب ويظهر أثره على الجوارح بالثبات وعدم الفرار والهرب، فالصبر يلزم منه الثبات ولا يكون ثبات إلا بصبر.
والدليل على التفريق قوله تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} البقرة، ففرق بينهما في الدعاء، فالإفراغ يكون على القلب، والثبات للقدم وهي جارحة.
وكذا قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} الأنفال.