فيها يلقى المحب حبيبه ويراه، ويقرب منه ويسمع كلامه وخطابه في علاه، وينال من بره وإحسانه أكثر مما تمناه، وتطفئ جمرة الشوق برؤية الحبيب ولقاه.
بعد أن ذكرنا لك يا أخي أن الشهيد يرى الله في البرزخ بلا حجاب نذكر لك فضلا زائدا وعظيما للشهيد في البرزخ، وهو أن الله تعالى يخاطبه ويسمع الشهيد كلامه بلا واسطة بينهما ولا حجاب بل مع الرؤية، والدليل على ذلك حديث ابن مسعود المتقدم في الشهداء وفيه (فقال:(أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شئ نشتهى ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة اخرى، فلما رأى ان ليس لهم حاجة تركوا) رواه مسلم.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: لقيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لي: (يا جابر ما لي أراك منكسرا؟) قلت: يا رسول الله استشهد أبي، قتل يوم أحد، وترك عيالا ودينا، قال: (أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟) قال قلت: بلى يا رسول الله، قال: (ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه كفاحا فقال: يا عبدي تمن علي أعطك، قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية، قال الرب عز وجل: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون) قال: وأنزلت هذه الآية) ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا) الآية) رواه الترمذي، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.
فيا له من فضل عظيم، أن يخاطبك العظيم الجبار الجميل الجليل بنفسه، ويوجه إليك خطابه بنفسك بلا واسطة ولا رسول ولا ملك ولا وحي وتسمع كلامه وصوته، فيا لذة الأسماع بسماع ذلك الكلام والصوت والخطاب.
ولكي يتم معرفة عظمة هذا الفضل انظر إلى موسى - صلى الله عليه وسلم - اختص على البشر في الدنيا بكونه كلم الله في الدنيا، وكلمه الله بلا واسطة، حتى سمي كليم الله لهذا، وذلك لعظمة هذه المنزلة.