فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 672

فيا من علت همته وأخذ يبحث في الأعمال وتفاضلها، أين أنت من الشهادة؟ فهي والله أفضل الأعمال، ولا يعادلها شيء من الأعمال الصالحة مهما بلغت كثرة ووقعت في زمن فاضل فلا تبلغ ثواب الشهادة وأجرها وفضلها.

الفضيلة الخامسة: الشهيد عمله قليل وأجره كبير كثير:

بعض الأعمال ينال صاحبها الجهد والمشقة وطول الزمن والوقت وقد يكون مع ذلك أجره وفضله ليس بالعظيم جدا بالنسبة إلى غيره من الأعمال، والشهادة في سبيل الله مما يميّزها أن عملها قليل قد لا يتجاوز ثوان معدودة ولحظات وإن طال فهو دقائق، فخروج الروح والقتل عمل قليل في كميته وكيفيته، قد يصلي الرجل ركعتان ولا ينتهي حتى تخرج روح الشهيد المقتول.

عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء رضي الله عنه يقول: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل مقنع بالحديد فقال: يا رسول الله أقاتل أوأسلم؟ قال: (أسلم ثم قاتل) فأسلم ثم قاتل فقُتل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (عمل قليلا وأجر كثيرا) رواه البخاري، وهو عند الطيالسي - بإسناد رجاله ثقات كما قال البوصيري - (عمل قليلا وجُزي كثيرا) .

وروى ابن المبارك بإسناد حسن عن القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن المسعودي قال: غزونا مع فضالة بن عبيد البر أرض الروم - ولم يغز فضالة في البر غيرها - فبينا نحن نسير إذ يسرع فضالة وهو أمير الناس، وكانت الولاة إذ ذاك يسمعون ممن استرعاهم الله عزوجل، فقال له قائل: أيها الأمير إن الناس قد تقطّعوا فقف حتى يلحقوك، فوقف في مرج فيه تلّ عليه قلعة فيها حصن، قال: فمنا الواقف، ومنا النازل، إذ نحن برجل أحمر ذي شوارب بين أظهرنا، فأتينا به فضالة فقلنا: إن هذا هبط من الحصن بلا عهد ولا عقد، فسأله ما شأنه؟ فقال: إني أكلت البارحة لحم خنزير وشربت خمرا وأتيت أهلي، فبينا أنا نائم أتاني رجلان فغسلا بطني، وزوجاني امرأتين لا تغار إحداهما على الأخرى، وقالوا لي: أسلم، فإني لمسلم، فما كانت كلمته أسرع من أن رمينا، فأقبل يهوي حتى أصابه فوق عنقه من بين الناس، فقال فضالة: الله أكبر عمل قليلا وأُجر كثيرا، صلوا على أخيكم، فصلينا عليه ثم دفنّاه في موقفنا، وسرنا، قال عبد الرحمن يقول القاسم يذكر هذا فهذا شئ رأيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت