فما أعظم هذا الفضل حين يأمن الشهيد من هذه الأهوال العظيمة السابقة فلا تخيفه لسابق علمه بحب الله له وعظيم منزلته عنده، فلما أخاف نفسه وخاض الحروب وأوردها المخاوف جازاه الله من جنس عمله، فجازاه بالأمن في الدارين، دار البرزخ ودار الآخرة، فلا خوف يلحقه ولا تعب ولا فزع، فهو يتقلب من أمن إلى أمن، وإنما يخاف المذنب والمسيء، والشهيد قد أحسن عملا ولا ذنب عليه، والله تعالى لن يعذبه بغير ذنب، فمما يخاف؟ ولو لم يكن في الشهادة إلا هذا الفضل لكفى.
ما أعظم فضل الشهيد ومكانته عند الله فهو يحبه ويقربه في جميع أحواله، ففي البرزخ قريب، وفي القيامة قريب، وفي الجنة قريب، وفي زيارة الله قريب، فهو في كل حال مقرب إلى الله.
وقد وردت أحاديث وآثار لا تثبت بنفسها تفيد قرب الشهداء من الله عند المحشر، ولكن يؤخذ من مجموعها أن لذلك أصلا وفضل الله واسع.
فمن ذلك ما روى ابن أبي الدنيا وأبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سأل جبريل عليه السلام عن هذه الآية (( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) من الذي لم يشإ الله أن يصعقوا؟ قال: هم الشهداء يبعثهم الله متقلدين أسيافهم حول عرشه، تتلقاهم ملائكة من المحشر بنجائب من ياقوت، أزمتها الدر الأبيض برحال الذهب، أعنتها السندس والإستبرق، وزمامها ألين من الحرير، مد خطاها مد أبصار الرجال يسيرون في الجنة على خيول، يقولون عند طول النزهة: انطلقوا بنا إلى ربنا تبارك وتعالى ننظر إليه كيف يقضي بين خلقه، يضحك الله إليهم، وإذا ضحك الله عز وجل إلى عبد في موطن فلا حساب عليه) وفيه ضعف.
ويشهد لأول هذا الحديث ما رواه ابن المبارك وعبد الرزاق عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} الزمر، قال: (هم الشهداء ثنية الله عز وجل حول العرش متقلدين السيوف) ومعنى"ثنية الله"أي الذين استثناهم الله عز وجل.