بعض الناس يعلم فضائل الشهادة، ولكن يضعف إيمانه ويقينه عن طلبها والتعرض لها لتغلب الشهوات والغفلة على قلبه، وليس معنى هذا الكلام أنه يشك في ذلك، وإنما معناه أنه يضعف تصديقه بها مع كونه مؤمنا وتصديق المؤمنين يتفاوت، وإلا لو أيقن وصدق تصديقا قويا بأنه إذا قتل الآن أنه في الجنة حالا مع الحور والولدان، وأنه لا يجد من ألم الموت إلا كمس القرصة لما تردد في طلب الشهادة، ولهذا كان من يطلب الشهادة من أكمل الناس إيمانا كما جاء في الفضائل السابقة.
الهمة: هي ما يطلبه الإنسان، ويقصده، والباعث له على طلبه، فإذا كان ما يطلب عاليا سمي عالي الهمة، وإن كان ما يطلب سافلا ودنيئا سمي دنئ الهمة، سواء كان ذلك في أمور الدنيا أو الآخرة، فبعض الناس يكون عالي الهمة في أمور الدنيا دون الآخرة، فهو يبحث عن أعلى المراتب في الدنيا، ولا يرضى بالحضيض وأن يكون من عامة الناس، وبعض الناس يكون عالي الهمة في أمور الآخرة دون الدنيا، فهو يبحث عما يرفع درجاته في الآخرة وعن أعلى المنازل في الجنة، ولا يرضى بالربض ولا يلتفت إلى الدنيا، وبعض الناس من يكون عالي الهمة في الدنيا والآخرة.
وكلامنا هنا عن دناءة الهمة في الآخرة، فشخص لا يعمل على القرب من الله تعالى ورفع درجاته في الجنة، بل ليس له هم إلا أن يدخل الجنة فقط، وليس له هم أن يكون من المقربين، فتكون دناءة الهمة سببا في رغبته عن الشهادة، ولا يعني كلامنا أن من طلب الجنة فهو دنئ الهمة، وإنما نعني أن هناك شئ أعلى من هذا المقصد وهذه الهمة، وأن هذا الدنو نسبي، ولهذا جاء في الحديث (فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس الأعلى فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة) رواه البخاري، فصرفهم إلى طلب معالي الأمور.
فبين يدي الشهادة حواجز ومهالك وعقبات، وفتن وامتحانات، يعطب فيها الكثير من الناس، ويتبين الصادق من الكاذب، وكم كان هذا السبب حائلا بين الكثير وبين الجهاد وطلب الشهادة، فبعضهم يتمنى الشهادة في نفسه ولكن المشقة التي تلحقه في طريقها ترخي عزائمه عن طلبها، وأكثر من يعاني من هذا السبب أهل الترف والتنعم، فكثير منهم تعود على حياة الدعة والنعومة فتثقله عن الخروج، وإذا خرج رجع.