أن يقدم الرجل على الموت والقتل - وهو أكره شئ للنفوس - طلبا للأجر والثواب ويتحمل المشاق في سبيل ذلك، هذا يدل على كمال إيمانه ويقينه وصدقه، كما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} الحجرات.
قال شيخ الإسلام في المجموع:"وأخبر في كتابه أن الصدق في الإيمان لا يكون إلا بالجهاد في سبيله فقال تعالى: (قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) إلى قوله (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) "انتهى كلامه.
وورد عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل: أي المؤمنين أكمل إيمانا؟ قال: (رجل يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله، ورجل يعبد الله في شعب من الشعاب قد كفى الناس شره) رواه أبو داود والحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
ولهذا الشهيد لا يمتحن في قبره، ولا يفتن في إيمانه بسؤال الملكين، اكتفاء بثباته عند القتل وإقدامه عليه امتحانا لصدق إيمانه، والشهيد أيضا يكسى حلة الإيمان - كما سيأتي - علامة على إيمانه.
و مما يستأنس به في هذا المقام ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسا فقال: (أنبئوني بأفضل أهل الإيمان إيمانا) قالوا: يا رسول الله الملائكة، قال: (هم كذلك، ويحقّ لهم ذلك، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها؟ بل غيرهم؟) قالوا: يا رسول الله الأنبياء الذين أكرمهم الله برسالته والنبوة، قال: (هم كذلك، ويحق لهم، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها؟ بل غيرهم؟) قالوا: يا رسول الله الشهداء الذين استشهدوا مع الأنبياء، قال: (هم كذلك، ويحق لهم، وما يمنعهم وقد أكرمهم الله بالشهادة مع الأنبياء؟ بل غيرهم؟) قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: (أقوام في أصلاب الرجال يأتون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني،