• أن من أقام وأصابه الطاعون ومات به كان شهيدا، وحصلت له درجة الشهادة، وأيضا كان له مع ذلك أجر شهيد، لكن بالشروط الثلاثة المذكورة أعلاه، والدليل عليه حديث عائشة الذي تقدم قريبا، وما سبق ذكره من أن الطاعون شهادة لكل مسلم.
وذكر الحافظ في الفتح أن أجر الشهادة شيء، ودرجة الشهادة شيء آخر، فمن اتصف بكونه شهيدا، أعلى درجة ممن وعد بأنه يعطى مثل أجر شهيد، وذلك مثل من خرج على نية الجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، فمات بسبب غير القتل، فمن لم يصبه الطاعون واتصف بالصفات المذكورة كان له أجر شهيد، وهي دون درجة الشهادة، ومن أصابه ومات به كان له درجة الشهادة، وأيضا أجر شهيد، فيكون له أجر شهيدين مع تفاوت الأجرين، وذكر أيضا وجها آخر وهو أنه يمكن أن يقال درجات الشهادة متفاوتة فأرفعها من اتصف بالصفات المذكورة ومات بالطاعون، ودونه في المرتبة من اتصف بها وطعن ولم يمت، ودونه من اتصف ولم يطعن ولم يمت.
ولا يشترط أن لا يكون من وقع به الطاعون عاصيا وصاحب كبائر، فعموم الأحاديث تقتضي حصول الشهادة بالطاعون حتى للعصاة، وقد ورد (الطاعون شهادة لكل مسلم) رواه البخاري، ولا يلزم من حصول درجة الشهادة للعاصي مساواة المؤمن الكامل في المنزلة، لأن درجات الشهادة متفاوتة، كنظيره من العصاة إذا قتل مجاهدا في سبيل الله.
لا يجوز لهم القدوم على البلد التي وقع فيها الطاعون مطلقا، والدليل عليه ما جاء عن أسامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الطاعون رجز سلط على من كان قبلكم أو على بني إسرائيل، فإذا كان بأرض فلا تخرجوا منها فرارا منه، وإذا كان بأرض فلا تدخلوها) رواه مسلم.
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشأم، قال ابن عباس: (فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين، فدعاهم، فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشأم، فاختلفوا، فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي الأنصار، فدعوتهم، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا