قال سيد قطب رحمه الله في الظلال:"وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر عقيدته ودعوته ولو عاش ألف عام، كما نصرها باستشهاده، وما كان يملك أن يودع القلوب من المعاني الكبيرة، ويحفز الألوف إلى الأعمال الكبيرة، بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي يكتبها بدمه، فتبقى حافزًا محركًا للأبناء والأحفاد، وربما كانت حافزًا محركًا لخطى التاريخ كله مدى أجيال"انتهى كلامه.
قال الشيخ عبد الله عزام في كتابه عشاق الحور:"وكم من شهيد قد استشهد، فامتشق أقاربه أسنتهم ومضوا على جادة الرائد الذي ما كذبهم , فأبو جهاد (أحمد أبو غوش) مضى إلى الله وإذا بأخيه ينتضل حسامه ويمضي على طريق العزة والكرامة، وأبو قتيبة السوري يمضي إلى الله فيأتي والده وينزل إلى جلال آباد"انتهى كلامه.
دم الإنسان بشكل عام مستقذر عند الناس، ولا يحبون منظره، وليس له رائحة طيبة، وهو نجس عند أكثر الفقهاء، وتجب إزالته، ولا يجوز الصلاة به.
ولكن الشهيد له وضع آخر، وفي جانب معاكس، فدمه طاهر وليس بنجس خلافا لبقية الموتى والبشر ويستحب إبقاءه بل يجب، فلا يغسل عنه دمه إذا قتل، بل يبقى عليه، بل إن الملابس التي تزال عن الموتى عند موتهم، لا تزال عن الشهيد من أجل الدم، وحفاظا عليه لعلو قدره وعظمته.
قال شيخ الإسلام في شرح العمدة:"والدم كله نجس، وكذلك المدة، والقيح، والصديد، وماء القروح المتغير على ما ذكرناه من العفو عن يسيره، إلا الدماء المأكولة كالكبد، والطحال، وما بقي على اللحم بعد السفح، ودم السمك رواية واحدة وإلا الدماء التي ليست سائلة كدم الذباب والبق والبراغيث في أقوى الروايتين، إلا دم الشهيد ما دام عليه لأن الشارع أمر بإبقائه عليه مع كثرته فلو حمله مصل لم تبطل صلاته"انتهى كلامه.
وقال أيضا:"ولا ينجس الشهيد كما لا ينجس دمه"انتهى كلامه.
فهذا الدم هو خير شاهد على تضحيته، وخير شاهد على عظمة عمله، وخير شاهد على شرفه وعلو قدره، وخير شاهد له على خصمه وحجة عليه.