وهذا الدم أحب شيء إلى الله، فكيف يزال وهو ليس محبوب فقط، بل أحب شيء إلى الله، كما في حديث أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين، وأثرين، قطرة من دموع في خشية الله، وقطرة دم تهراق في سبيل الله، وأما الأثران، فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله) رواه الترمذي، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.
وقوله (شيء) نكرة في سياق نفي، فتعم كل شيء، فإذا كانت القطرة على صغر حجمها أحب شيء إلى الله فكيف بالدماء الكثيرة السائلة من الشهيد، فلا شك أنها أعظم محبة وأشد، وأعلى قدرا عند الله وأعظم جزاء.
ومن علو قدر دم الشهيد وما خص به عن دماء الخلق، أن رائحة دماه زكية طيبة، فرائحتها فواحة بأطيب الطيب وهو المسك، كما سيأتي بيانه إن شاء الله وشرف ذلك في فضيلة حسن مبعث الشهيد.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لون دم، وريحه مسك) رواه مسلم.
وعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - - قال: (لا يكلم أحد في سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما، اللون لون دم، والريح ريح المسك) رواه النسائي، وصححه الألباني في صحيح الجامع.
قال الحافظ في الفتح:"ولأصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم من حديث معاذ بن جبل (من جرح جرحا في سبيل الله أو نكب نكبة، فإنها تجئ يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها الزعفران وريحها المسك) "انتهى.
بل إن كثيرا من الشهداء تشم منه هذه الرائحة وهو في الدنيا قبل دفنه.
ومن علو قدر دم الشهيد وما خص به عن دماء الخلق، أن لون دمه هو بلون الزعفران، كما في حديث معاذ السابق، وقد صححه الألباني في صحيح الترمذي.
ومن علو قدر دم الشهيد ومحبة الله له، أنه سبب لتفاضل الشهداء عند الله تعالى، كما سيأتي بيانه إن شاء الله، فالشهيد الذي يقتل بإراقة دمه أفضل من الشهيد الذي يقتل بدون ذلك.