فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 672

آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) وذكر المنافقين قبل ذلك فاستوعبت هذه الآية أقسام العباد شقيّهم وسعيدهم، والمقصود أنه ذكر فيها المراتب الأربعة، الرسالة، والصدّيقية، والشهادة، والولاية، فأعلا هذه المراتب النبوّة والرسالة، ويليها الصدّيقية، فالصدّيقون هم أئمة أتباع الرسل ودرجتهم أعلا الدرجات بعد النبوّة، فإن جرى قلم العالم بالصديقية وسال مداده بها كان أفضل من دم الشهيد الذي لم يلحقه في رتبة الصدّيقية، وإن سال دم الشهيد بالصديقية وقطر عليها كان أفضل من مداد العالم الذي قَصُر عنها، فأفضلهما صدّيقهما، فإن استويا في الصديقية استويا في المرتبة، والله أعلم، والصديقية هي كمال الإيمان بما جاء به الرسول علما وتصديقا وقياما، فهي راجعة إلى نفس العلم، فكل من كان أعلم بما جاء به الرسول وأكمل تصديقا له كان أتم صدّيقية، فالصدّيقية شجرة أصولها العلم، وفروعها التصديق، وثمرتها العمل، فهذه كلمات جامعة في مسألة العالم والشهيد، وأيهما أفضل"انتهى كلامه."

القول الرابع: قال المناوي في فيض القدير:"والتحقيق أنه لا يمكن إطلاق القول بتفضيل العلم ولا الشهادة وأن ذلك لا يقاس بتفضيل عبادة على عبادة"انتهى كلامه.

الفضيلة السابعة والعشرين: شراء الله لنفس الشهيد:

عقد الله عقد بيع بينه وبين الشهداء، فاشترى منهم أنفسهم وأموالهم، بأن يُزهقوها ويُفنوها في سبيله، وجعل ثمن ذلك عنده الجنة، فالبائع هو الشهيد، والمشتري هو الله تعالى، والثمن الجنة، والسلعة هي النفس، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} التوبة.

وكفى بذلك شرفا للشهيد أن يشتري الملك الجبار منه نفسه ويقبلها عنده، فالبائع عندما يبيع سلعته ويشتريها منه عظيم بثمن عظيم، ليس كمن باعها على تافه من الناس بثمن بخس، خصوصا إذا كانت هذه السلعة لها تعلّق به وتنسب إلى البائع، فكذا الشهيد هاهنا اشترى الله منه نفسه، وهذه النفس أصلا ملكا له عز وجل، لكن أراد أن يشرفه بهذا العقد، وأن يتفضل عليه وينعم به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت