فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 672

وقد جعل ثمنه غاليا، قال الحسن البصري: (بايعهم والله فأغلى ثمنهم) فإن الثمن هو الجنة، وهي غالية كما قال - صلى الله عليه وسلم: (ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة) رواه الترمذي عن أبي هريرة، وهذا يدل على أن للشهيد قدر عند الله تعالى ومنزلة، وأن نفسه مكرمة عنده، ولذلك أغلى ثمنه فجعله جنة عرضها السموات والأرض، ولم يكتف بذلك بل في أعالي الجنة، ولم يكتف بذلك أيضا، فزاده من المكارم والفضائل في أحواله ما أعظم به والله ثمنه أعظم وأعظم.

وهذا العقد الحاصل هو التجارة التي تنجي من العذاب الأليم، وهو الذي ذكره الله تعالى في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} الصف.

قال القرطبي في تفسيره:"أصل الشراء بين الخلق، أن يعوّضوا عما خرج من أيديهم ما كان أنفع لهم أو مثل ما خرج عنهم في النفع، فاشترى الله سبحانه من العباد إتلاف أنفسهم وأموالهم في طاعته وإهلاكها في مرضاته، وأعطاهم سبحانه الجنة عوضا عنها إذا فعلوا ذلك، وهو عوض عظيم لا يدانيه المعوّض ولا يقاس به، فأجرى ذلك على مجاز ما يتعارفونه في البيع والشراء، فمن العبد تسليم النفس والمال، ومن الله الثواب والنوال، فسمي هذا شراء ... ثم قال:"وأنشد الأصمعي لجعفر الصادق رضي الله عنه:

أثامن بالنفس النفيسة ربها ** وليس لها في الخلق كلهم ثمن

بها تشترى الجنات إن أنا بعتها ** بشيء سواها إن ذلكم غبن

لئن ذهبت نفسي بدنيا أصبتها ** لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن"انتهى كلامه."

وقد أكد الله تعالى هذا البيع والعقد الحاصل وتوفيته بعدة مؤكدات في الآية، وهي كما ذكرها ابن القيم في حادئ الأرواح على النحو التالي:

أحدها: إخباره سبحانه وتعالى بصيغة الخبر المؤكد بأداة أن.

الثاني: الإخبار بذلك بصيغة الماضي الذي قد وقع وثبت واستقر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت