وأما الحكمة في كون الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء والشهداء، هي ما ذكره المناوي في الفيض قال:"قال أبو الحسن المالكي في شرح الترغيب حكمة عدم أكل الأرض أجساد الأنبياء ومن ألحق بهم، أن التراب يمر على الجسد فيطهره، والأنبياء لا ذنب لهم، فلم يحتج إلى تطهيرهم بالتراب"انتهى كلامه، وكذا الشهداء لا ذنب لهم، فقد غفرت ذنوبهم كلها، وعلى هذه الحكمة فهي تعضد وتقوي كون الشهداء لا تأكلهم الأرض لعدم الذنوب لديهم.
أعد الله الجنة لعباده المؤمنين جزاء لهم على أعمالهم، وجعل فيها من أصناف النعيم وأنواعه ما لا يحده الوصف، ولا يخطر على قلب بشر، والشهيد له مع الجنة حال آخر، ووضع خاص وكرامة عظيمة، فهو من حين يقتل يدخل الجنة حالا ومباشرة، ويعجل له دخولها ونعيمها قبل يوم القيامة، ويبقى فيها إلى أن ينفخ في الصور نفخة البعث وترجع الأرواح إلى أجسادها، وذلك لكرامته على الله، ولعلو منزلته عنده، فالجنة تثبت للشهيد حالا، والأدلة على ذلك كثيرة منها:
-قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} التوبة.
فهو اشترى منهم نفوسهم، وأعاضهم عنها الجنة، وليس المراد مطلق دخول الجنة، فإن ذلك ثابت لعامة المؤمنين في الآخرة، فلم يكن لتخصيص الشهيد بدخول الجنة زيادة فضل، ولكن المراد أن الشهيد يدخل الجنة حالا دخولا خاصا مميزا بحياة خاصة.
-وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (تكفل الله لمن جاهد في سبيله - لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديقا بكلماته - أن يدخله الجنة، أو يرده إلى مسكنه بما نال من أجر أو غنيمة) رواه البخاري، وفي رواية (انتدب الله) وفي رواية مسلم (تضمن الله) .
قال الحافظ في الفتح:"قوله (تضمن الله، وتكفل الله، وانتدب الله) بمعنى واحد، ومحصله تحقيق الوعد المذكور في قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) وذلك"