فقد كان بعد المعركة يبحث عن الشهداء الذين قُتلوا فيها ويسأل عنهم، وربما أرسل بعض أصحابه ليبحث له وينظر خبرهم، وكان يقوم عليهم، ويرى ماهم عليه، وما خبرهم وكيف أحوالهم، وما جراحهم وهيئتهم، وما عملوه في المعركة، وما ذلك إلا لمنزلة الشهداء الكريمة عنده - صلى الله عليه وسلم - وحبه لهم وعظمتهم عنده.
كما ورد عند ابن المبارك قال وأخبرني أيضا قال أخبرني محمد بن سعد أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( من ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؟) فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، قال: فخرج يطوف في القتلى حتى وجد سعدا جريحا قد أثبت بآخر رمق ... ) وذلك يوم أحد بعد المعركة، وقد رواه الحاكم عن زيد بن ثابت رضي الله عنه وصححه، ووافقه الذهبي، وله شواهد.
وورد عن أبى برزة رضي الله عنه (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في مغزى له، فأفاء الله عليه فقال لأصحابه:(هل تفقدون من أحد؟) قالوا: نعم فلانا وفلانا وفلانا، ثم قال: (هل تفقدون من أحد؟) قالوا: نعم فلانا وفلانا وفلانا، ثم قال: (هل تفقدون من أحد؟) قالوا: لا، قال: (لكني أفقد جليبيبا فاطلبوه) فطلب في القتلى، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فوقف عليه، فقال: (قتل سبعة ثم قتلوه هذا مني وأنا منه هذا مني وأنا منه) قال: فوضعه على ساعديه، ليس له إلا ساعدا النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: فحفر له ووضع في قبره، ولم يذكر غسلا) رواه مسلم.
عن كعب بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم أحد: (من رأى مقتل حمزة؟) فقال رجل أعزل: أنا رأيت مقتله، قال: (فانطلق فأرناه) فانطلق حتى وقف على حمزة؟ فرآه قد شرط بطنه وقد مثل به فقال: يا رسول الله مثل به والله، فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينظر إليه، ووقف بين ظهراني القتلى، قال: (أنا شهيد على هؤلاء القوم، لفوهم في دمائهم، فإنه ليس جريح يجرح إلا جرحه يوم القيامة يدمي لونه لون الدم وريحه ريح المسك، قدموا أكثر القوم قرآنا، اجعلوه في اللحد) رواه ابن أبي شيبة، قال البوصيري في الإتحاف إسناد رجاله ثقات، وقال الهيثمي رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.