16.سمي شهيدا، لشهادته على نفسه لله حين لزمه الوفاء بالبيعة التي بايعه في قوله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) فاتصلت شهادة الشهيد بشهادة الحق فسماه شهيدا، فهو هنا بمعنى شاهد.
وهذه كلها لا دليل أنها هي السبب في التسمية، وإنما هي مجرد احتمالات واجتهادات، ولكن إذا طبقنا الأمرين الذين ذكرناهما آنفا، تبين أن أقرب الأقوال في هذا: الأول، والثالث، والخامس، والسادس، والسابع، والثامن، والتاسع، والرابع عشر، والخامس عشر، والسادس عشر، والله أعلم.
وقال السهيلي في الروض الأنف:"وأولى هذه الوجوه كلها بالصحة: أن يكون فعيلًا بمعنى مفعول، ويكون معناه: مشهودًا له بالجنة، أو يشهد عليه النبي عليه السلام، كما قال: (هؤلاء أنا شهيد عليهم) أي: قّيم عليهم بالشهادة لهم، وإذا حشروا تحت لوائه، فهو وال عليهم، وإن كان شاهدًا لهم، فمن ههنا اتصل الفعل بعلى، فتقوى هذا الوجه من جهة الخبر، ومن وجه آخر من العربية؛ وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين ذكر الشهداء قال: (والمرأة تموت بجمع شهيد) ولم يقل: شهيدة، وفي رواية أخرى قال: (والنفساء شهيد، يجرها جنينها بسرره إلى الجنة) ولم يقل: شهيدة، وفعيل إذا كان صفة لمؤنث كان بغير هاء إذا كان بمعنى مفعول، نحو امرأة قتيل وجريح، وإن كان بمعنى فاعل، كان بالهاء، كقولهم: امرأة عليمة ورحيمة، ونحو ذلك."
فدل على أن الشهيد مشهود له، ومشهود عليه، وهذا استقراء من اللغة صحيح، واستنباط من الحديث بديع، فقف عليه"انتهى كلامه."
ومثله أيضا استشهد، ورزق الشهادة، ومات شهيدا، وقتل شهيدا، وقد ذكرنا فيما سبق تعريف الشهيد بالمعنى الاصطلاحي العام، فهل من وجدناه كذلك يجوز لنا أن نطلق عليه أنه شهيد أم لا؟
قبل أن نجيب على هذا التساؤل، لابد أن نعرف أن عقيدة أهل السنة والجماعة، أنهم لا يشهدون ولا يجزمون لمعين من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهدت له النصوص الصحيحة بعينه، وهذا هو سبب الخلاف في المسألة، هل إذا أطلق لفظ الشهادة على معين، هل فيه تعيين وجزم له بالجنة أم لا؟