فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 672

ولما كانت الشهادة بهذه المنزلة، وبهذا العلو والعظمة، والفضائل الجمة، تقاصرت عنها النفوس حتى نفوس العظماء والعلماء أن تنالها أو أنها أهل لها، فهذا العز بن عبد السلام رحمه الله - وهو من هو - يرى نفسه أقلَّ من أن يصطفى بالشهادة وأن ينالها مع ما هو فيه من العلم والعبادة والعمل.

فذكر ابن السبكي في طبقات الشافعية عنه"ذكر كائنة الشيخ مع أمراء الدولة من الأتراك:"

وهم جماعة ذكِر أن الشيخ لم يثبُت عنده أنهم أحرارٌ، وأن حكمَ الرِّق مستصحَبٌ عليهم لبيت مال المسلمين، فبلغهم ذلك فعظُم الخطبُ عندهم فيه، وأضرِم الأمر، والشيخ مصممٌ لا يصحح لهم بيعا ولا شراء ولا نِكاحا، وتعطّلت مصالحهم بذلك، وكان من جملتهم نائب السلطنة، فاستشاط غضبا فاجتمعوا وأرسلوا إليه، فقال: نعقد لكم مجلسا وينادى عليكم لبيت مال المسلمين ويحصل عِتقُكم بطريق شرعي، فرفعوا الأمر إلى السلطان فبعث إليه، فلم يرجع، فجرت من السلطان كلمة فيها غِلظة حاصلها الإنكارُ على الشيخ في دخوله في هذا الأمر، وأنه لا يتعلق به، فغضب الشيخ وحمل حوائجه على حمارٍ، وأركب عائلته على حمارٍ آخر، ومشى خلفهم خارجا من القاهرة قاصدا نحو الشام فلم يصل إلى نحو نصف بريد إلا وقد لحقه غالبُ المسلمين لم تكد امرأة ولا صبي ولا رجل لا يؤبَه إليه يتخلَّف لا سيما العلماء والصُّلحاء والتجار وأنحاؤُهم، فبلغ السلطان الخبر، وقيل له: متى راح ذهب ملكُك، فركب السلطان بنفسه ولحقه واسترضاه وطيَّب قلبه، فرجع، واتفقوا معهم على أنه ينادى على الأمراء، فأرسل إليه نائب السلطنة بالملاطفة، فلم يُفِد فيه، فانزعج النائب وقال: كيف ينادي علينا هذا الشيخ ويبيعنا ونحن ملوك الأرض، والله لأضربنَّه بسيفي هذا، فركب بنفسه في جماعته وجاء إلى بيت الشيخ والسيف مسلول في يده، فطرق الباب، فخرج ولدُ الشيخ أظنه عبد اللطيف، فرأى من نائب السلطنة ما رأى، فعاد إلى أبيه وشرح له الحال، فما اكترث لذلك ولا تغيّر وقال: يا ولدي أبوك أقلُّ من أن يُقتل في سبيل الله، ثم خرج كأنه قضاءُ الله قد نزل على نائب السلطنة، فحين وقع بصره على النائب يَبِست يدُ النائب وسقط السيف منها وأرعِدَت مفاصِلُه، فبكى وسأل الشيخ أن يدعو له، وقال: يا سيدي خبِّر أيْش تعمل؟ قال: أنادي عليكم وأبيعكم، قال: ففيم تصرِف ثمننا؟ قال: في مصالح المسلمين، قال: مَن يَقبِضُه؟ قال: أنا، فتمَّ له ما أراد ونادى على الأمراء واحدا واحدا، وغالى في ثمنهم، وقبضه وصرفه في وجوه الخير، وهذا ما لم يُسمَع بمثله عن أحدٍ رحمه الله تعالى ورضي عنه"انتهى كلامه."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت