هو دون رتبة الشهداء (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) "انتهى كلامه."
وقد جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بخباء أعرابي وهو في أصحابه يريدون الغزو، فرفع الأعرابي ناحية من الخباء، فقال: من القوم؟ فقيل له: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يريدون الغزو، فقال: هل من عرض الدنيا يصيبون؟ قيل له: نعم يصيبون الغنائم ثم تقسم بين المسلمين، فعمد إلى بكر له فاعتقله، وسار معهم، فجعل يدنو بكره إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجعل أصحابه يذودون بكره عنه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (دعوا لي النجدي، فوالذي نفسي بيده إنه لمن ملوك الجنة) قال: فلقوا العد فاستشهد، فأخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاه، فقعد عند رأسه مستبشرا أو قال: مسرورا يضحك ثم أعرض عنه، فقلنا: يا رسول الله رأيناك مستبشرا تضحك ثم أعرضت عنه! فقال: (أما ما رأيتم من استبشاري أو قال: سروري فلما رأيت من كرامة روحه على الله تعالى، وأما إعراضي عنه فإن زوجته من الحور العين الآن عند رأسه) رواه البيهقي في الشعب بإسناد حسن كما قاله المنذري وابن النحاس والألباني.
فهذا يدل على أن الشهيد من ملوك أهل الجنة، فهو ملك في درجته ومنزلته وأرضه وقصوره وداره، فيتحكم فيها بما يشاء، ويفعل فيها ما يشاء، لا يمنعه مانع، ولا ينازعه منازع، مع اتساع درجته ومنزلته وأرضه بما لا تحصر مساحته من سعتها، وأيضا مع كثرة الدور والقصور وتنوعها والعيون والأنهار والبساتين والأشجار.
وهو ملك على خدمه وولدانه، وحوره ونسوانه، يعامل معاملة الملوك وأكثر، ويغدى عليه ويُراح، ويخدم ويُراح، ويلقى الترحيب والطاعة والتعظيم والوجوه الملاح، لا يكدر عليه صفوه مكدر، ولا ينازعه ملك ولا مدبر.
وهو ملك في رفعته ومنزلته وعظمته عند أهل الجنة والملائكة، فيجل ويعظم، ويرفع ويكرم، ويعرف له قدره ومنزلته، ويستأذن عليه كما يستأذن على الملوك.
وهو ملك في شكله وهيئته، قد جعلت له العروش والأسرة من ذهب، وكلل بالتيجان ووضعت على رأسه كما توضع على الملوك وألبس لباسهم.