فرشهم: إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا، فيقول الله تعالى: انظروا إلى جراحهم، فإن أشبهت جراح المقتولين فإنهم منهم، فإذا جراحهم أشبهت جراحهم) أي فإذا جراح المطعونين أشبهت جراح المقتولين، وفي رواية (فيلحقون بهم) .
وكما سبق أن ذكرنا أن مقصود الشهداء بذلك إلحاق المطعون معهم ورفع درجته إلى درجاتهم، وأما الأموات على الفرش فلعله ليس مقصودهم أصالة أن لا ترفع درجة المطعون إلى درجات الشهداء، فإن ذلك حسد مذموم وهو منزوع عن القلوب في ذلك الدار، وإنما مرادهم أن ينالوا درجات الشهداء كما نال المطعون مع موته على الفراش، فمعنى قولهم: (إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا) أي فإن نالوا مع ذلك درجات الشهداء ينبغي أن ننالها أيضا.
فهؤلاء المتوفون على فرشهم وهم عامة المؤمنين يطلبون أن يلحقوا بالشهداء كما ألحق بهم المتوفون بالطاعون، وذلك لما رأوا من فضل الشهادة.
وعن أنس رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يؤتى بالرجل من أهل الجنة يوم القيامة، فيقول الله عز وجل: يا ابن آدم كيف وجدت منزلك؟ فيقول: يا رب خير منزل، فيقول: سل وتمنه، فيقول: ما أسأل وأتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرات، لما يرى من فضل الشهادة) رواه أحمد والحاكم، وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، والألباني في الصحيحة.
قال ابن النحاس معلقا على الحديث:"فإذا كان أهل الجنة يتمنون الشهادة ويسألونها، وقد حصلوا على ما حصلوا عليه من الفوز العظيم، ووصلوا إلى ما وصلوا إليه من النعيم المقيم، فكيف لا يتمناها من هو الآن في دار المحن والغرور، والأحزان والشرور، لا يدري إلى الجنة يصير، أو إلى النار وبئس المصير"انتهى كلامه.
ويصح أن نطلق على عامة المؤمنين ممن لم يستشهدوا أنهم خسروا نسبيا، وإن كانوا ربحوا دخول الجنة، أي أنهم خسروا فضل الشهادة.
قال الحافظ في الفتح:"وكل من قل ثوابه، فهو خاسر بالنسبة بالنسبة لمن كثر ثوابه"انتهى كلامه.
وهذا الفضل غير الفضل المذكور قبل من تمني الشهداء العود لأجل القتل، فهذا فيمن هو من أهل الجنة ولم يستشهد في الدنيا، وذاك فيمن استشهد، وكلا الأمرين يدلان على عظم أجر الشهادة