فهرس الكتاب

الصفحة 488 من 672

وهنا تعليق هام للشيخ أبي يحيى الليبي على كلام العراقي ويهمّ طلاب الشهادة جدا فيقول رحمه الله في كتاب الأربعين في فضل الشهادة معلقا على كلام العراقي السابق"قلتُ: وهذا تنبيه لطيف ونكتةٌ بديعة يلزم التفطُّن لها، إذ ينبغي على المجاهد مع حرصه على الشهادة، واجتهاده في طلبها، والبحث عنها في مظانِّها، وترقُّبِ نيلها والفوز بها- أن يكون مجتهدًا في الأعمال الصالحة مستكثرًا منها مواظبًا عليها، لا سيما القتال ومستلزماته ومكملاته من تدريبٍ وإعدادٍ ونحو ذلك؛ ليجمع بين الازدياد من الطاعة والخير بأعماله والترقِّي في دَرَجِ الرُّتَب العليِّة بنيته وقصده، وليكمُل بما يحصله من خبرةٍ وتجربةٍ وممارسةٍ، فلا يكون حرصه على الشهادة، وشدة اشتياقه لها، واستعجاله في طلبها سببًا في قصور همته وفتورها، فكلّما دعي لعملٍ ينتفع وينفع به استثقله بدعوى أنه قريبٌ من الشهادة فما الفائدة مما يتعلمه أو يكتسبه أو يتفرّغ إليه؟!، وهذا بلا شك ناتج عن قصورٍ في الفهم، وركودٍ في التصور، إذ ما من عملٍ صالحٍ يقوم به - ولو كان قبل الشهادة بلحظةٍ - إلا وجده، وما يدريه فلعله يكون سببًا في دخوله الفردوس الأعلى، فلا تعارض إذًا بين الاجتهاد في طلب الشهادة واستعجال الظفر بها وبين الاستمرار في اكتساب الأعمال الصالحة أيًا كانت، فلا يَجْعل استعجاله لنيل الشهادة سببًا للزهد فيها (أي في الأعمال) ، ولا يجعل اجتهاده في الأعمال الصالحة مانعًا من الجد في طلبها (أي طلب الشهادة) بل يجمع بين هذا وذاك حتى يمنَّ الله بها عليه وهو على أكمل حالٍ وأرضاه عملًا ونيةً، وما أجمل ما قاله الإمام ابن العربي المالكي- رحمه الله: (وليس على العبد أن يطلب الشهادة بأن يستقتل مع الأعداء، ولا بأن يستسلم للحتوف، ولكنه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ويأخذ حذره، ويسأل الله الشهادة خالصا من قلبه، ويعطيه الله بعد ما سبق في علمه"أحكام القرآن"انتهى كلامه."

قال ابن أبي كامل: سمعت خيثمة بن سليمان يقول: ركبت البحر، وقصدت جبلة لأسمع من يوسف بن بحر، ثم خرجت إلى أنطاكية، فلقينا مركب - يعني للعدو - قال: فقاتلناهم، ثم سلم مركبنا قوم من مقدمه، قال: فأخذوني، ثم ضربوني، وكتبوا أسماءنا، فقالوا: ما اسمك؟ قلت: خيثمة، فقالوا: اكتب حمار بن حمار، ولما ضربت سكرت ونمت، فرأيت كأني أنظر إلى الجنة، وعلى بابها جماعة من الحور العين، فقالت إحداهن: يا شقي، أيش فاتك؟ فقالت أخرى: أيش فاته؟ قالت: لو قتل لكان في الجنة مع الحور، قالت لها: لأن يرزقه الله الشهادة في عز من الإسلام وذل من الشرك خير له ثم انتبهت"ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء، وخيثمة هو خيثمة بن سليمان أحد العلماء المحدثين."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت