قال ابن القيم في الزاد:"والمقصود أن الله تعالى اختار من كل جنس من أجناس المخلوقات أطيبه، واختصه لنفسه وارتضاه دون غيره، فإنه تعالى طيب لا يحب إلا طيبا، ولا يقبل من العمل والكلام والصدقة إلا الطيب، فالطيب من كل شيء هو مختاره"انتهى كلامه.
والشهادة في سبيل الله منزلة عظيمة ومرتبة عالية، وهي من أقرب المنازل إلى الله وأعلاها درجة، فلا يوفق لها أي شخص، بل هي محض اصطفاء واختيار من الله تعالى لمن شاء من بني آدم، فالله يخلق ما يشاء ويختار.
ولئن كان الإسلام اصطفاء واختيار من الله لمن شاء من بني آدم، فليس كل شخص يهدى إليه ويوفق له، فلأن تكون الشهادة التي هي أخص من الإسلام اصطفاء واختيارا من باب أولى.
فكم اجتهد في تحصيلها المجاهدون، ورام وصالها العاشقون، وتعب في البحث عنها المحبون، ولم يفز بها إلا الموفقون.
الطالبون لها كثير، والخاطبون لها جم غفير، والظافرون بها يسير، فهي كالحسناء الجميلة الطيبة، لا تقبل بأي أحد ولا يظفر بها أي أحد.
قال الشيخ عبد الله عزام رحمه الله تعالى في كتاب عشاق الحور:"إن الشهادة درجة عالية لا يهبها الله إلا لمن يستحقها، إنها اختيار من العلي الأعلى للصفوة من البشر ليعيشوا مع الملأ الأعلى (ويتخذ منكم شهداء) إنها اختيار واتخاذ واصطفاء للأفذاذ من البشر ليكونوا في صحبة الأنبياء (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) "انتهى كلامه.
وقال أيضا:"وإني لأرى من خلال الشهداء الذين يتساقطون على دروب المجد مصداق الآية الكريمة (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ) فالشهادة اختيار واصطفاء واتخاذ واجتباء، والموت لا يتعلق بخطر، والسلامة لا ترتبط بحذر، إنما هو اختيار رب العالمين لصفوة عباده المخلصين"انتهى كلامه.
وقال في كتاب التربية الجهادية والبناء مخاطبا مجموعة من المجاهدين الذين وصلوا إلى أرض الجهاد:"فأنتم يا أيها الإخوة .. الله عز وجل منّ عليكم ووصلتم وهذا اختيار من رب العالمين فحافظوا عليه، حافظوا على هذه النعمة .."