ومما يستأنس به في هذا المقام ما قاله المناوي في الفيض:"حكى النووي في بستانه أن الفقيه محمد النووي مات، فقرأ له ختمة قرآن، فرآه فقال: له أنت في الجنة؟ قال: اليوم لا ندخلها بل نتنعم في غيرها، وإنما ندخلها بعد الساعة، فلا يدخلها اليوم إلا الأنبياء والشهداء"انتهى كلامه.
وهذا الفضل غير الفضل السابق ذكره أنه يرى مقعده من الجنة، فرؤية المقعد تكون قبل الموت، وهذا الفضل يكون بعد الموت، ويكون رؤية ومباشرة داخل الجنة.
وأيضا فالشهيد يدخل الجنة مآلا في الآخرة، فإنه إذا ثبتت الجنة للشهيد حالا فهي ثابتة له في المآل وفي الآخرة، فهو مقطوع له أيضا بدخول الجنة في الآخرة، ولا شك في ذلك، والأدلة على ذلك هي الأدلة السابقة فهي عامة تدل على دخولها في الحال والمآل.
قال ابن النحاس في المشارع:"ومنها - أي من فضائل الشهيد - أن الشهادة الخالصة في سبيل الله توجب دخول الجنة قطعا ..."ثم أخذ يسرد الأدلة في ذلك، ودخول الجنة للشهيد دخول مميز لا يكون معه حساب ولا عذاب، ودخول سريع فهو من أوائل من يدخلون، ودخول عالي في الدرجة، وسيأتي بيانه إن شاء الله.
قال الطبري في تاريخه في أحداث مائة وثلاث عشرة:"فمما كان فيها من ذلك هلاك عبد الوهاب بن بخت -وهو مع البطال عبد الله- بأرض الروم، فذكر محمد بن عمر عن عبد العزيز بن عمر أن عبد الوهاب بن بخت غزا مع البطال سنة مائة وثلاثة عشر، فانهزم الناس عن البطال وانكشفوا، فجعل عبد الوهاب يكر فرسه وهو يقول: ما رأيت فرسا أجبن منه وسفك الله دمي إن لم أسفك دمك، ثم ألقى بيضته عن رأسه وصاح: أنا عبد الوهاب بن بخت أمن الجنة تفرون؟ ثم تقدم في نحور العدو فمر برجل وهو يقول واعطشاه، فقال تقدم الري أمامك، فخالط القوم فقتل وقتل فرسه"انتهى.
قال ابن الخطيب في الإحاطة في أخبار غرناطة عن سليمان بن موسى الكلاعي:"كان أبدًا يقول إن منتهى عمره سبعون سنة لرؤيا رآها في صغره، فكان كذلك، واستشهد في الكائنة على المسلمين بظاهر أنيشة على نحو سبعة أميال منها؛ لم يزل متقدمًا أمام الصفوف زحفًا على الكفار، مقبلًا على العدو، ينادي بالمنهزمين من الجند: أعن الجنة تفرون؟ حتى قتل صابرًا محتسبًا، غداة يوم الخميس لعشر بقين من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وستمائة"انتهى.