والعمل في ذلك الوقت يحتاج إلى صبر أكبر، والإسلام في ذلك الوقت يحتاج إلى تضحيات، وقليل هم المضحون.
والدليل على ذلك قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} الحديد.
وقد ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) رواه البخاري.
قال الحافظ في الفتح:"قال البيضاوي معنى الحديث لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهبا من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مد طعام أو نصيفه وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص وصدق النية، قلت: وأعظم من ذلك في سبب الأفضلية عظم موقع ذلك لشدة الاحتياج إليه، وأشار بالأفضلية بسبب الإنفاق إلى الأفضلية بسبب القتال، كما وقع في الآية (من أنفق من قبل الفتح وقاتل) فإن فيها إشارة إلى موقع السبب الذي ذكرته، وذلك أن الإنفاق والقتال كان قبل فتح مكة عظيما، لشدة الحاجة إليه وقلة المعتني به، بخلاف ما وقع بعد ذلك، لأن المسلمين كثروا بعد الفتح ودخل الناس في دين الله أفواجا، فإنه لا يقع ذلك الموقع المتقدم والله أعلم"انتهى كلامه.
وقال عبد الرحمن بن حسن في الدرر السنية:"وأما القائم به - أي الجهاد - فكلما قلت أعوانه وأنصاره صار أعظم لأجره، كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع"انتهى كلامه.
وقد ورد أيضا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن من ورائكم زمان صبر للمتمسك فيه أجر خمسين شهيدا) فقال عمر: يا رسول الله منا أو منهم؟ قال: (منكم) رواه الطبراني في الكبير والبزار، قال الهيثمي:"ورجال البزار رجال الصحيح غير سهل بن عامر البجلي وثقه ابن حبان"وقد صححه الألباني في صحيح الجامع.
والسبب في كونه تضاعف له الأجور هو قلة الأعوان، قال ابن القيم في النونية في كلامه على هذا الحديث:
فالحائز الخمسين أجرا لم يحز *** ها في جميع شرائع الإيمان
هل حازها في بدر أو أحد أو الـ *** ـفتح المبين وبيعة الرضوان