ونظرت الى راعٍ على عينٍ يشرب منها وقد قام يصلي، فقلت له: يا راع، أما تخاف المشركين على نفسك تصلي بينهم؟ قال: فقال الراع: يا هذا، أمجنون أنت!!! أين الكفار؟ قلت: ألست أنت في بلد الروم؟! فقال لي: يا هذا أما ترى إلى حائط طرسوس! فنظرت فإذا بالسور، فعلّمت الجارية الإسلام واغتسلت في العين ودخلت المدينة، فتباشرني المسلمون، فتزوجتها وأولدتها سبع بنين"انتهى."
• قال الشيخ عبد الله عزام في كتابه عشاق الحور:
وداعا يا يحيى:
(ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون)
هذه الكلمات الأخيرة التي ودعت بها الحياة في رسالة وجدناها في جيبك، قال رفيق رحلتك والذي لفظت أنفاسك الأخيرة ورأسك على صدره أقول: قال لي محمد أمين محدثا: لقد كتبها يحيى آخر ليلة عاشها فوق هذه الأرض.
كل شيء كان يلقي في روعك أنك مقبل على الشهادة، ولطالما أقسمت يا يحيى لإخوانك الذين يشاركونك آلام الطريق البذل والتضحية والعرق والدم تحت أزير الرصاص ودوي المدافع لتوقظوا أمة دب الوهن في أعماقها، وأصبحت لا تغفو إلا على مواطئ كل جبار غشوم، وإذا صحت فعلى خطى الذل خاشعة الرسوم.
لطالما أقسمت لهم أنك شهيد، وهم يقولون لك: يا يحيى لا تزك نفسك، وأنت تقول: معاذ الله أن أزكي نفسي، ولكنه إحساسي الذي أشعر به في أعماقي.
كانت ليلة عرفة والروس قد أقبلوا عليكم من فوقكم ومن أسفل منكم وبلغت القلوب الحناجر، فقمت مع إخوانك للسحور من أجل صيام عرفة في أرض المعركة، لأن صيام عرفة يكفر عامين، فكيف صيام عرفة تحت الحمم المتناثرة من السماء كأنها وابل المطر، فهذا لاشك أن أجره أعظم بكثير، وفي الحديث الصحيح (من صام يوما في سبيل الله باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفا) .