فلما كان قبل العيد بيومين تمارضت الجارية، فلما خرج الملك والناس، قال لها أبوها: أما تخرجين معنا؟ قالت: لا، أنا مريضة، قال لها أبوها: فلا بأس، يخلوا بك هذا الرجل ولا يكون في الدار سواكما، فإن أراد حراما فلا تمتنعي منه، عسى تفسدي عليه دينه فيدخل في ديننا وأزوجك منه، قالت: أفعل يا أبتِ، ولكن أترك ها هنا دابتين، فعسى الرجل يفارق دينه بعد يوم أو يومين، فأركب أنا وهو فنلحق بكم.
وكانوا يقيمون في عيدهم سبعة أيام وسبع ليال، فخلّى دابتين ومضى.
فلما انتصف النهار قالت الجارية للمسلم: قد بلغوا الموضع، فلم يبق أحد، فقم بنا، أليس تعرف الطريق إلى بلاد الإسلام؟ قال: بلى، قال: فأخرجت سلاحا لهما، وجواهر كثيرة خفيفة، فلبست الجارية السلاح وتشبهت بالرجال، ولبس الرجل السلاح ومضيا من نصف النهار، وكان بينهم وبين طرسوس ثلاثون منزلا.
فلما كان اليوم الثاني وهم سائرون في أرض مستوية وقد قطعوا ثلاث منازل، فنظر إلى غبرة، فقال لها: يا جارية أنتِ أحد بصرًا مني، ما هذه الغبرة؟ فنظرت فقالت: أرى ستة فرسان عليهم ثياب بيض وتحتهم خيلٌ شهب، فينما هو يسير مع الجارية إذ لحقهم الفرسان، فنظر فإذا الستة أصحابه الذين أحرقهم الملك، فعرفهم وعرفوه، فقال لهم: أليس الملك قد قتلكم؟ قالوا: أما تقرأ القرآن، قال: بلى، قالوا: كل شهيد في هذه الدنيا حيّ يأكل رزقه صباحًا ومساءً، قال: فأين تريدون؟ أتريدون منازلكم؟ قالوا: ما لنا إلى ذلك سبيل، ولكن وليّ من أولياء الله تعالى، بين هذه الجبال، قد مات وليس بالقرب منه أحد، وقد وهب الله تعالى دفنه لنا، كرامة لنا ومعنا كفن وحنوط من الجنة نغسله ونكفنه ونواريه وننصرف.
فقال لهم: الذي طلبتم من الشهادة أصبتم، وأنا كنت رئيسكم فلم أرزق ما رُزقتم، وهذه بنت وزير الملك قد حلى في قلبها الإسلام فقد هربت معي، فأعينوني بدعوات يبلغنا الله بها بلد الإسلام، قال: قل:"يا صمدًا لا يظلم ... يا قيومًا لا ينام ... يا ملكًا لا يُرام ... يا عزيزًا لا يُضام ... يا جبارًا لا يظلم ... يا محتجبًا لا يُرى ... يا سميعا لا يشك ... يا عادلا لا يجور ... يا دائما لا يزول ... يا حليما لا يلهو ... يا قيومًا لا يفتر ... يا غنيًا لا يفتقر ... يا منيعًا لا يُغلب ... يا شديدًا لا يضعف ... يا صادقا لا يخلف ... يا باسطا اليدين بالجود ... ويا من هو في ملكه محمود ... يا عليّ المكان ... يا رفيع الشان ... يا لا إله إلا أنت ... يا لا إله إلا أنت"ثم غابوا فلم أرهم.