فهرس الكتاب

الصفحة 588 من 672

بالتراب لئلا ينظر إليه أحد، وقد أحببت أن تأخذه معك فإذا صرت في بلاد الكفار وجالت الأبطال ورميت النبال وجردت السيوف وشرعت الأسنة، فإن احتجت إليه، وإلا فادفعه إلى من يحتاج إليه ليحضر شعري ويصيبه الغبار في سبيل اللّه، فأنا امرأة أرملة، كان لي زوج وعصبة، كلهم قتلوا في سبيل الله، ولو كان علي جهاد لجاهدت قال: وناولتني الشكال.

وقالت: اعلم يا أبا قدامة أن زوجي لما قتل خلف لي غلاما من أحسن الشباب، وقد تعلم القرآن والفروسية والرمي عن القوس، وهو قوام بالليل صوّام بالنهار، وله من العمر خمس عشرة سنة، وهو غائب في ضيعة خلفها له أبوه، فلعله يقدم قبل مسيرك فأوجهه معك هدية إلى اللّه عز وجل، وأنا أسألك بحرمة الإسلام لا تحرمني ما طلبت من الثواب، قال: فأخذت الشكال منها، فإذا هو مضفور من شعر رأسها، فقالت: القه في بعض رحلك وأنا أنظر إليه ليطمئن قلبي، قال: فطرحته في رحلي وخرجت من الرقة ومعي أصحابي، فلما صرنا عند حصن مسلمة بن عبد الملك، إذا بفارس يهتف من ورائي: يا أبا قدامة قف علي قليلا يرحمك اللّه، فوقفت وقلت لأصحابي: تقدموا أنتم حتى أنظر من هذا، وإذا بالفارس قد دنا مني وعانقني، وقال: الحمد للّه الذي لم يحرمني صحبتك ولم يردني خائبا، قلت: حبيبي أسفر لي عن وجهك، فإن كان يلزم مثلك غزو أمرتك بالمسير، وإن لم يلزمك غزو رددتك، فأسفر عن وجهه، فإذا غلام كأنه القمر ليلة البدر وعليه آثار النعمة، قلت: حبيبي لك والد؟ قال: لا، بل أنا خارج معك أطلب ثأر والدي، لأنه استشهد فلعل اللّه يرزقني الشهادة كما رزق أبي، قلت: حبيبي لك والدة؟ قال: نعم، قلت: اذهب إليها واستأذنها، فإن أذنت، وإلا فأقم عندها، فإن طاعتك لها أفضل من الجهاد، لأن الجنة تحت ظلال السيوف، وتحت أقدام الأمهات.

قال: يا أبا قدامة أما تعرفني؟ قلت: لا، قال: أنا ابن صاحبة الوديعة، ما أسرع ما نسيت وصية أمي صاحبة الشكال، وأنا إن شاء اللّه الشهيد ابن الشهيد، سألتك باللّه لا تحرمني الغزو معك في سبيل اللّه، فإني حافظ لكتاب اللّه، عارف بسنة رسول اللّه، عارف بالفروسية والرمي، وما خلفت ورائي أفرس مني، فلا تحقرني لصغر سني، وإن أمي قد أقسمت عليّ أن لا أرجع، وقالت: يا بني إذا لقيت الكفار فلا تولهم الدبر، وهب نفسك للّه واطلب مجاورة اللّه ومجاورة أبيك مع أخوالك الصالحين في الجنة، فإذا رزقك اللّه الشهادة فاشفع في، فإنه قد بلغني أن الشهيد يشفع في سبعين من أهله، وسبعين من جيرانه، ثم ضمتني إلى صدرها، ورفعت رأسها إلى السماء، وقالت: إلهي وسيدي ومولاي، هذا ولدي، وريحانة قلبي، وثمرة فؤادي سلمته إليك فقربه من أبيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت