فهرس الكتاب

الصفحة 589 من 672

قال: فلما سمعت كلام الغلام، بكيت بكاء شديدا أسفا على حسنه، وجمال شبابه، ورحمة لقلب والدته، وتعجبا من صبرها عنه، فقال: يا عم مم بكاؤك؟ إن كنت تبكي لصغر سني، فإن اللّه يعذب من هو أصغر مني إذا عصاه، قلت: لم أبك لصغر سنك، ولكن أبكي لقلب والدتك، كيف تكون بعدك، قال: فسرنا ونزلنا تلك الليلة، فلما كان الغداة رحلنا، والغلام لا يفتر من ذكر اللّه تعالى، فتأملته، فإذا هو أفرس منا إذا ركب، وخادمنا إذا نزلنا منزلا، وصار كلما سرنا يقوى عزمه، ويزداد نشاطه، ويصفو قلبه، وتظهر علامات الفرح عليه.

قال: فلم نزل سائرين حتى أشرفنا على ديار المشركين عند غروب الشمس، فنزلنا فجلس الغلام يطبخ لنا طعاما لإفطارنا، وكنا صياما فغلبه النعاس فنام نومة طويلة، فبينا هو نائم إذ تبسم في نومه، فقلت لأصحابي: ألا ترون إلى ضحك هذا الغلام في نومه؟ فلما استيقظ، قلت: حبيبي رأيتك الساعة تبتسم في منامك ضاحكا قال: رأيت رؤيا فأعجبتني وأضحكتني، قلت: ما هي؟

قال: رأيت كأني في روضة خضراء أنيقة، فبينما أنا أجول فيها، إذ رأيت قصرا من فضة شرفه من الدر والجوهر، وأبوابه من الذهب، وستوره مرخية، وإذا جواري يرفعن الستور، وجوههن كالأقمار، فلما رأينني، قلن لي: مرحبا بك، فأردت أن أمد يدي إلى إحداهن، فقالت: لا تعجل ما آن لك، ثم سمعت بعضهن يقول لبعض: هذا زوج المرضية، فقلن لي: تقدم يرحمك اللّه، فتقدمت أمامي، فإذا في أعلى القصر غرفة من الذهب الأحمر عليها سرير من الزبرجد الأخضر، قوائمه من الفضة البيضاء، عليه جارية وجهها كأنه الشمس، لولا أن اللّه ثبت علي بصري لذهب، وذهب عقلي، من حسن الغرفة وبهاء الجارية، قال: فلما رأتني الجارية، قالت: مرحبا وأهلا وسهلا يا ولي اللّه وحبيبه، أنت لي وأنا لك، فأردت أن أضمها إلى صدري، فقالت: مهلا لا تعجل، فإنك بعيد من الخنا، وإن الميعاد بيني وبينك غدا عند صلاة الظهر، فأبشر، قال أبو قدامة: فقلت له: حبيبي رأيت خيرا وخيرا يكون.

ثم بتنا متعجبين من منام الغلام، فلما أصبحنا تبادرنا فركبنا خيولنا، فإذا المنادي ينادي: يا خيل اللّه اركبي، وبالجنة أبشري (انفروا خفافا وثقالا) فما كان إلا ساعة وإذا جيش الكفر - خذله اللّه - قد أقبل كالجراد المنتشر فكان أول من حمل منا فيهم الغلام، فبدد شملهم وفرق جمعهم وغاص في وسطهم، فقتل منهم رجالا وجندل أبطالا، فلما رأيته كذلك، لحقته فأخذت بعنان فرسه، وقلت: يا حبيبي ارجع فأنت صبي ولا تعرف خدع الحرب، فقال يا عم: ألم تسمع قول اللّه تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار) أتريد أن أدخل النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت