وقد كان الصادقون في طلب الشهادة من الصحابة ومن بعدهم يتجلدون في طلبها، ويقحتمون الأهوال ويتحملون الشدائد والجراح والآلآم في سبيل الحصول عليها، ولا يردهم ذلك عنها وهم منهكون، بل ولا يأبهون لما يصيبهم ولا يؤخرهم عن الطلب، ولا يضعفون عنه ولا يستكينون لعدوهم ويذلون له، ولا يجزعون مما أصابهم، بل تأتيهم الشهادة وهم أعزة متجلدين لعدوهم صابرين مهما بلغت المصائب والجراح مبلغها، كما قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} آل عمران.
فبعضهم تقطع يداه ورجلاه، فيزحف مع ذلك إلى عدوه طلبا للشهادة، وبعضهم يعقر ويجرح من كل مكان في جسده وتصل الجراح فيه إلى أكثر من الثمانين ما بين طعنة برمح أو ضربة بسيف أو رمية بسهم حتى إنه لا يعرف من هو بعد قتله من كثرة الجراح، ومع ذلك لا يرده ذلك عن طلب الشهادة، وبعضهم يعقر في بطنه وينتشر قصبه، ومع ذلك يضم إليه قصبه ويزحف إلى عدوه وغير ذلك من المواقف، ومن ذلك:
أن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: (عقرت يوم أحد في جميع جسدي حتى في ذكري) رواه الحاكم وغيره.
وقال قيس بن أبي حازم: (رأيت يد طلحة شلاء وقى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد) رواه البخاري.
ومع ذلك لم يثنه ذلك عن طلب الشهادة أو النكوص عن الجهاد حتى مات شهيدا مظلوما قتله مروان بن الحكم ظلما وعدوانا.
وكذا ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (رمى أبو دجانة بنفسه يوم اليمامة إلى داخل الحديقة، فانكسرت رجله، فقاتل وهو مكسور الرجل حتى قتل) .
وقال الذهبي في السير:"عن معاذ بن عمرو قال: جعلت أبا جهل يوم بدر من شأني فلما أمكنني، حملت عليه، فضربته، فقطعت قدمه بنصف ساقه، وضربني ابنه عكرمة بن أبي جهل على عاتقي، فطرح يدي وبقيت معلقة بجلدة بجنبي، وأجهضني عنها القتال، فقاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي فلما آذتني، وضعت قدمي عليها ثم تمطأت عليها حتى طرحتها".