فهرس الكتاب

الصفحة 555 من 672

وقد ذكر صاحب البيان والتبيين: أن رجلا قال لرجل: أني أحب الشهادة، فقال: أحبها إن وقعت عليها، ولا تحبها حب من يريد أن يقع عليها.

وقد كان بعض الصحابة لما فاتهم يوم بدر، تمنوا أن يلقوا العدو وأن تحصل لهم الشهادة، فلما كان يوم أحد ووقعت الهزيمة على المسلمين، فر بعض هؤلاء وانهزموا، فأنزل الله تعالى فيهم: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} آل عمران.

أي لقد كنتم تمنون الشهادة والموت في سبيل الله قبل المعركة، فقد رأيتموه في اشتباك الرماح وضرب السيوف ورمي السهام وصفوف القتال، فلم فررتم وانهزمتم؟

قال ابن القيم في الزاد:"ثم وبخهم على هزيمتهم من أمر كانوا يتمنونه ويودون لقاءه، فقال: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون) قال ابن عباس: ولما أخبرهم الله تعالى على لسان نبيه بما فعل بشهداء بدر من الكرامة رغبوا في الشهادة، فتمنوا قتالا يستشهدون فيه، فيلحقون إخوانهم، فأراهم الله ذلك يوم أحد، وسببه لهم، فلم يلبثوا أن انهزموا إلا من شاء الله منهم، فأنزل الله تعالى: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون) "انتهى كلامه.

وأما من ثبت من هؤلاء الذين تمنوا كأنس بن النضر فإنه ثبت ولم ينهزم ووفى بما عزم عليه، فأنزل الله تعالى فيه: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} الأحزاب، فوصفه الله تعالى بالصدق، لأنه وفى بما عزم عليه ورأى الموت ولم يثنه ذلك، فهو من أروع الأمثلة على الصدق.

عن أنس رضي الله عنه قال: (غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين، ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون، قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثل به

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت