فهرس الكتاب

الصفحة 550 من 672

وكذا من أعظم الصور كما سيأتي قصة أنس بن النضر يوم أحد.

وكذا ما رواه ابن أبي شيبة عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت رجلا يريد أن يشري نفسه يوم اليرموك، وامرأته تناشده، قال: ردوا هذه عني، فلو أعلم أنه يصيبها الذي أصبت، ما نفست عليها، إني والله لأن استطعت لأمضي ولو يزول هذا من مكانه، وأشار بيده إلى جبل، فإن غلبتم على جسدي فخذوه، قال قيس: فمررنا عليه، فرأيته بعد ذلك قتل في تلك المعركة.

وقد كان الصحابة والسلف رحمهم الله يعزمون على طلب الشهادة أصدق العزم وأقواه، ويوطنون أنفسهم عليها، بحيث أنهم إذا خرجوا إلى الغزو يستعدون له استعداد من لا يريد الرجوع أو العود، ويصممون العزم على الحصول على الشهادة، فتراهم يتحنطون ويغتسلون استعدادا للموت ونيل الشهادة، ويكسرون جفان سيوفهم ويعقرون خيولهم عزما على عدم الرجوع وعلى الإقدام وطلب الشهادة، ويوصون إلى غيرهم وصية الميت الموقن بالموت، وذلك بعد صدق عزائمهم.

قال ابن النحاس في المشارع في تحنط ثابت يوم اليمامة:"وإنما كانوا يفعلون ذلك - والله أعلم - لتوطين النفوس على الموت وتصميم العزم على نيل الشهادة".

وقال أيضا:"وقد يقوى الإنسان على الشيطان في خروجه إلى الجهاد في سبيل اللّه، ولا يقوى عليه في سعة الإنفاق مع القدرة، لما يوسوسه إليه من أنك إذا رجعت من جهادك، لا تجد لك مالا، وقد يحصل لك جراح، أو نهب، أو مرض، فترجع فقيرا ليس معك شيء، ولا لك مال تعول عليه، فاترك مالك إلى أن ترجع، واجتهد على توفير النفقة ما أمكنك، ونحو هذا الكلام، وإنما يسكن إلى هذه الوسوسة، من كان عنده دسيسة باطنة لا يشعر بها من حب الرجوع إلى الدنيا، وكراهة القتل في اللّه، والبخل ببذل النفس في سبيل اللّه، إذ لو كان يصمم العزم على طلب الشهادة صادقا في قصدها، لما تفكر في أحوال رجوعه، إذ لا يحدث نفسه بالرجوع أبدا، ولهذا كان السلف يكسرون جفون سيوفهم عند اللقاء، ويلقونها لغلبة ظنهم أنهم لا يرجعون، لما استولى على قلوبهم من حب الشهادة والشوق إلى لقاء اللّه، ورجاء الفوز العظيم بالقتل في سبيل اللّه."

وقد حكي عن بعض السلف أنه خرج مجاهدا حتى إذا تراءى - أي الجمعان - وصف الفريقان، جاء إليه الشيطان، فذكره زوجته وحسنها، وجمالها، وحبّبها إلى قلبه، وكره إليه فراقها، وذكره سعة عيشه، وكثرة ماله، ونحو ذلك، حتى كاد يجبن عن اللقاء ويهتم بالفرار، فأتاه التأييد الإلهي، من القوي المتين،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت