فهرس الكتاب

الصفحة 521 من 672

ثانيا: أن يتطهر ويتصفى في البلاء من دسائس نفسه الخبيثة، فإن الابتلاءات تصفي العبد المؤمن من دسائسه كما تصفي النار الذهب من شوائبه حتى تخرجه ذهبا خالصا، وكذا يخرج المؤمن من الابتلاء طيبا محضا لا يشوبه خبث، قال ابن القيم في الزاد:"والمقصود: أنَّ المصيبة كِيرُ العبدِ الذى يُسبَك به حاصله، فإما أن يخرج ذهبًا أحمر، وإما أن يخرج خَبَثًا كله، كما قيل:"

سبكناه ونحسبه لجينا ** فأبدى الكير عن خبث الحديد"انتهى كلامه."

وعندما يتصفى ويخرج طيبا محضا يصلح حينئذ للشهادة، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، ولا يحب إلا الطيب من عباده، والطيب هو مختاره كما سبق ذكره.

وقال ابن القيم في الزاد:"فالخبيث يتفجر من قلبه الخبث على لسانه وجوارحه، والطيب يتفجر من قلبه الطيب على لسانه وجوارحه، وقد يكون في الشخص مادتان فأيهما غلب عليه كان من أهلها، فإن أراد الله به خيرا طهره من المادة الخبيثة قبل الموافاة، فيوافيه يوم القيامة مطهرا فلا يحتاج إلى تطهيره بالنار، فيطهره منها بما يوفقه له من التوبة النصوح والحسنات الماحية والمصائب المكفرة حتى يلقى الله وما عليه خطيئة، ويمسك عن الآخر مواد التطهير فيلقاه يوم القيامة بمادة خبيثة ومادة طيبة، وحكمته تأبى أن يجاوره أحد في داره بخبائثه، فيدخله النار طهرة له وتصفية وسبكا، فإذا خلصت سبيكة إيمانه من الخبث صلح حينئذ لجواره ومساكنة الطيبين من عباده"انتهى كلامه.

قال شيخ الإسلام في المجموع:"فالنفوس الخبيثة لا تصلح أن تكون في الجنة الطيبة التى ليس فيها من الخبث شيء، فإن ذلك موجب للفساد، أو غير ممكن، بل إذا كان في النفس خبث طهرت وهذبت، حتى تصلح لسكنى الجنة، كما في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدرى ـ رضي اللّه عنه ـ عن النبى - صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمنين إذا نجوا من النار ـ أي عبروا الصراط ـ وقفوا على قَنْطَرة بين الجنة والنار، فيُقْتَصّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، فإذا هُذِّبوا ونُقُّوا أذن لهم في دخول الجنة) "انتهى كلامه.

وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان:"إن ابتلاء المؤمن كالدواء له يستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه أهلكته أو نقصت ثوابه وأنزلت درجته، فيستخرج الابتلاء والامتحان منه تلك الأدواء، ويستعد به لتمام الأجر وعلو المنزلة"انتهى كلامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت