فهرس الكتاب

الصفحة 518 من 672

طيب لا يقبل إلا طيبا، وأرض الجهاد خير مكان لتزكية النفوس وتربيتها وتصفيتها من دسائسها وصفاتها الرديئة، حيث الشدائد والأهوال، والأعباء والأثقال، ومن لم تتزكى نفسه بالجهاد، لن تتزكى بغيره.

ثالثا: أن تؤخر شهادته إلى حيث تكون فيه أعظم أجرا، فمثلا شخص لم يقتل وأخر حتى قتل في ليلة القدر أو زمان شريف، لكي يتضاعف أجر شهادته عند الله تعالى.

كما قيل لي عن شخص مجاهد أعرفه أنه اجتمع مع بعض المجاهدين في بيت، ولما خرج هو من البيت قصف البيت مباشرة وقتل من فيه من المجاهدين، فحزن أخونا على ذلك، وأنه لم يصطف بالشهادة معهم، وكان ذلك في ليلة ست وعشرين من رمضان، فلما كان في الليلة المقبلة وهي ليلة سبع وعشرين من رمضان - والتي يحتمل احتمالا كبيرا أن تكون ليلة القدر - قتل هو بقصف آخر.

وأحب هنا أن أنبه على أمر يتعلق بهذا القسم، وهو عدم استعجال الشهادة، فكثير من الذين يخرجون لطلب الشهادة، يكون همهم الرئيسي أن تحصل لهم الشهادة في أسرع وقت وأقرب فرصة ممكنة، ووالله لا ألومهم على ذلك وقد احترقت قلوبهم شوقا إلى الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم والتهبت مشاعرهم حنينا إلى الحور العين.

لا ألومهم وقد عشقوا الشهادة عشقا أرق أجفانهم، وأسهر أعينهم، وأطال ليلهم وهم ينتظرون فجر الشهادة.

لا ألومهم وقد عاشوا في الجهاد، ورأوا من أسراره وكراماته وعجائبه وتأييد الله تعالى ونصره ما ارتفع به إيمانهم، وزاد به يقينهم، وأصبحوا كأنهم يرون الغيبيات عيانا، ويرون الجنة وما أعد لهم، فتحرقوا على الشهادة طلبا للتحول والنزول في الجنة ونعيمها.

لا ألومهم وقد امتلأت نفوسهم غبطة وحزنا، فغبطة لإخوانهم يرونهم وهم يتساقطون أمامهم شهداء ويختارون من بينهم للشهادة، وحزنا على أنفسهم في تأخر الشهادة عنهم أن لا يكونوا من أهلها.

فهذا عمير بن الحمام لما اشتاقت نفسه إلى الجنة والرواح إليها قال: (إنها لحياة طويلة إن أنا بقيت حتى آكل هذه التمرات - لتمرات كانت معه -) فهو عد هذا الوقت القصير الذي يبقى فيه إلى أن يأكل التمرات الباقية معه حياة طويلة، وذلك لما اشتاقت نفسه إلى الجنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت