أولا: أن في منعه منها مواساة لمن فاتته الشهادة من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وتطييب لقلبه أن هذا الأمر لم يحصل له وحده، وذلك كما حصل لخالد بن الوليد، فإنه طلب الشهادة جهده ولم يظفر بها، فمن فاتته الشهادة من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فله أسوة بذاك الصحابي.
ثانيا: تشجيع الجبناء وإثبات أن الإقدام على الموت لا يقدم الأجل والتأخر عنه لا يؤخره، فهذا خالد طلب الشهادة وتعرض للموت والقتل، ولكنه لم يقتل، وقال عند موته (لقيت كذا وكذا زحفا، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء) .
ثالثا: كون الشخص لا يصلح لهذه المنزلة، وليس أهلا لها، فإن الشهادة اصطفاء كما ذكرنا، وليس كل أحد يصلح لهذه المنزلة، والله عز وجل لن يختار لنيل قربه وجواره أي أحد، بل لن يختار إلا من يحبه ويعلم أنه يصلح لذلك.
قال ابن القيم في الزاد:"فإنه سبحانه أعلم بمواقع ومحال رضاه وما يصلح منها لاختياره وما لا يصلح"انتهى كلامه.
وقال أيضا:"فذوات ما اختاره واصطفاه من الأعيان والأماكن والأشخاص وغيرها مشتملة على صفات وأمور قائمة بها ليست لغيرها ولأجلها اصطفاها الله، وهو سبحانه الذي فضلها بتلك الصفات وخصها بالاختيار، فهذا خلقه وهذا اختياره"انتهى كلامه.
رابعا: بيان أن الشهادة محض فضل الله تعالى، واصطفاء من الله، وليست خبط عشواء.
خامسا: عدم صدق الطالب لها، فإن الصدق من أعظم الأسباب في نيلها، وتخلفه من أعظم الأسباب في منعها.
3.قسم يرزق الشهادة بعد مدة من طلبها، سواء قصرت المدة أم طالت، وهذا لحكم كثيرة منها:
أولا: أن يوفق للازدياد من العمل الصالح في الجهاد، كالإثخان في الأعداء، أو قيادة الأمة، أو غير ذلك، أو الأعمال الصالحة الأخرى كحفظ القرآن وغيره.
ثانيا: لكي يمحص ويطهر وتتزكى نفسه بمشاق الجهاد وشدائده، حتى إذا صلح لمرتبة الشهادة وكان طيبا محضا رزقها، فإن المرء قد تكون فيه دسيسة خبيثة لا يصلح معها لمرتبة الشهادة، والله تعالى