أما بالواقع فقلّتهم أمر ظاهر، فلو نظر في تاريخ المسلمين من عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عصرنا لوجدت أن الشهداء قليل جدا، وقد حسبت من قتل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حين شرع الجهاد إلى حين وفاته من الأحاديث الثابتة فلم أجدهم يصلون الثلاثمائة شهيد، مع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مات عن مائة ألف أو أكثر أسلموا معه.
ثم انظر إلى معارك المسلمين عبر التاريخ، تجد أن عدد المجاهدين أصلا قليل لباقي المسلمين، وعدد الذين يقتلون من هؤلاء قليل، وفي بعض الأحيان يعد على الأصابع، وهؤلاء المقتولين لا يلزم أن يكونوا كلهم شهداء، فللشهادة شروط وموانع.
وكذا إذا رأيت في كتب التراجم تجد أن الذين استشهدوا منهم عدد قليل جدا بالنسبة لعدد التراجم، ففي سير أعلام النبلاء للذهبي عدد المترجم لهم أكثر من أربعة آلاف شخص، وعدد الذين استشهدوا منهم لا يتجاوزن أربعين، وعدد من مات غازيا لا يتجاوز العشرة، وعدد الذين ماتوا مرابطين لا يتجاوز خمسا وعشرين.
وفي كتاب الدرر الكامنة للحافظ ابن حجرعدد المترجم لهم خمسة آلاف وأربعمائة شخص، وعدد الشهداء منهم حوالي ثلاثين شهيدا فقط.
وفي كتاب طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي عدد المترجم لهم ألفا وأربعمائة وتسعة عشر، وعدد الذين استشهدوا منهم لا يصلون عشرة أشخاص.
5.الطاعات كلها بتوفيق الله تعالى وهدايته كما قال تعالى: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ} هود.
وقال تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} الأعراف.
قال تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} الحجرات، وغير ذلك من الأدلة، ومن الطاعات الشهادة، بل مظاهر التوفيق والاصطفاء في الشهادة أظهر من غيرها من الطاعات، فإن الطاعات الأخرى أمرها بيد صاحبها إن أراد ذلك، فمن أراد أن يصلي كان الفعل صادرا منه، وأمره بيده متى ما أراد ذلك قام وصلى، وأما الشهادة فليست فعل من المجاهد نفسه، بل هي من فعل العدو، فالقتل إنما هو بيد العدو، والله هو المسلط، فالمجاهد مهما عرض نفسه للموت والقتل قد لا يصيبه.