الناس إلى الجهاد، وحرضتهم على الثواب، وأنا امرأة ولا قدرة لي على الجهاد، وقد قطعت أحسن ما في وهما ضفيرتاي، وقد أتيت بهما لتجعلهما قيدا لفرسك، فقيدت بهما فرسي.
فلما طلع الفجر ووقع القتال، فإذا أنا بغلام حسن الوجه صبور على الشدائد، فتقدمت إليه وقلت: يا بني أنت راجل ولا آمن أن تجول الخيل فتطؤك بأرجلها، فارجع إلى موضعك، قال: فالتفت إلي وقال: كيف أرجع وقد قال الله: (يا أيها الذين امنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار) .
قال: فأعطيته قوسا كان معي فقال: بالله عليك يا أبا قدامة أقرضني ثلاثة أسهم، فقلت: ما هذا وقت قرض، فقال: بالله عليك أقرضني قال: فأعطيته سهما، فوضعه في قوسه فقتل به روميا، فقلت: أنا شريكك في الثواب فقال: نعم فأعطيته سهما آخر فقتل به روميا آخر، ثم ناولته الثالث فرمى به وقال: السلام عليك سلام مودع فجاءه سهم بين عينيه فخر صريعا.
فوقفت عليه وقلت: يا ولدي لا تنسني فإنك قد عاهدتني، فقال: نعم، ثم قال يا أبا قدامة لي إليك حاجة، إذا دخلت المدينة فائت والدتي وسلمعليها عني وناولها هذا الخرج، فقلت: ومن والدتك؟ قال: التي قطعت شعرها وقالت: اجعله قيدا لفرسك، قال: فاشتغلت بالبكاء فقضى نحبه رحمه الله فدفنته.
فلما انقضى القتال وعدت إلى قبره، رأيته على وجه الأرض قد قذفته الأرض، فحفرت له حفرة أخرى فدفنته، فقذفته ثانيا، فقال أصحابنا: دعه فهو غلام، ولعله خرج من غير إذن والدته، قال: فوقعت في حيرة. فأذن مؤذن العشاء، فقمت فصليت وجعلت أتضرع إلى الله وأبكي، وأقول: يا رب ما أدري ما أصنع قال: فسمعت صوتا: يا أبا قدامة دع ولي الله واذهب، قال: فتركته فنزلت طيور فأكلته وأتت السباع فابتلعت العظام.
فلما أتيت المدينة ذهبت إلى بيت والدته، فطرقت الباب، فخرجت طفلة صغيرة، فلما رأت الخرج رجعت ونادت: يا أماه جاء أبو قدامة بخرج أخي وما أرى أخي معه، واحسرتاه في العام الأول أصبنا بأبي، وفي الثاني بأخي، وفي هذا بأخي الآخر، قال: فكدت أتلف من البكاء.
فخرجت تلك المرأة وهي تقول: أمهنيا جئت أم معزيا؟ إن كان ولدي قد مات فمعزيا، وإن كان قد استشهد فهنني، فقلت: لا والله بل استشهد، فقالت: وما علامة ذلك؟ قلت: قتل، قالت: قبلته