• روى ابن المبارك عن حميد بن هلال قال: كان الأسود بن كلثوم إذا مشى نظر إلى قدميه أو أطراف أصابعه، لا يلتفت، وجدر الناس إذ ذاك فيها تواضع، فعسى أن يفجأ النسوة، وعسى أن يكون بعضهن واضعا، فيروعهن الرجل حين يرينه، ينظر بعضهن إلى بعض فقلن: كلا إنه الأسود بن كلثوم، قد عرفوه إنه لا ينظر إليهن، قال: فلما قدم غازيا قال: اللهم إن هذه نفسي تزعم في الرخاء أنها تحب لقاءك، فإن كانت صادقة فارزقها ذاك، وإن كانت كاذبة فاحملها عليه وإن كرهت، فاجعله قتلا في سبيلك، وأطعم لحمي سباعا وطيرا، قال: فانطلق في طائفة من ذلك الجيش، حتى دخلوا حائطا فيه ثلمة، وجاء العدو حتى قاموا على الثلمة، فخرج أصحابه ولم يخرج حتى كثروا على الثلمة، قال: فنزل من فرسه فضرب وجهه، فانطلق غابرا حتى خلوا وجهه، وخرج وعمد الى ماء كان في الحائط، فتوضأ منه ثم صلى، قال يقول العدو: هكذا استسلام العرب إذا استسلموا، فلما قضى صلاته قاتلهم حتى قتل، قال: فمر عظيم ذلك الجيش على الحائط ومنهم أخوه فقيل لأخيه: ألا تدخل الى الحائط فتنظر ما أصبت من عظام أخيك فتجنه؟ قال: ما أنا بفاعل شيئا دعا به أخي فاستجيب له، قال: فما عاناه - أي فما عانى دفن أخيه -.
• قال ابن الأثير في الكامل عن فتوح بلاد فارس:"ووجه ابن عامر الأسود بن كلثوم العدوي من عدي الرباب، وكان ناسكًا، إلى بيهق، من أعمالها أيضًا، فقصد قصبته ودخل حيطان البلد من ثلمة كانت فيه، ودخلت معه طائفة من المسلمين، فأخذ العدو عليهم تلك الثلمة، فقاتل الأسود حتى قتل هو وطائفة ممن معه، وقام بأمر الناس بعده أخوه أدهم بن كلثوم، فظفر وفتح بيهق، وكان الأسود يدعو الله أن يحشره من بطون السباع والطير، فلم يواره أخوه، ودفن من استشهد من أصحابه"انتهى كلامه.
• قال ابن النحاس في المشارع:"ولنختم هذا الباب بحكاية أبي قدامة وهي ما روى أبو المظفر ابن الجوزي بإسناده في كتابه المسمى بجوهرة الزمان في تذكرة السلطان عن أبي قدامة الشامي قال: كنت أميرا على الجيش في بعض الغزوات، فدخلت بعض البلدان، فدعوت الناس إلى الجهاد، ورغبتهم في الثواب، وذكرت فضل الشهادة، ثم تفرق الناس، وسرت إلى منزلي، فإذا بامرأة من أحسن الناس تنادي: يا أبا قدامة، فقلت: هذه مكيدة من الشيطان، فلم أجبها، فعادت فنادتني فلم أجبها، فقالت: هكذا يفعل أرباب الصلاح بأهل الإرادة، فوقفت لها، فجاءت ودفعت إلي رقعة وحزمة مشدودة، ثم انصرفت وهي تبكي قال: فنظرت إلى الورقة وإذا فيها مكتوب: دعوت"