وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - العلاء بن الحضرمي إلى البحرين تبعته، فرأيت منه ثلاث خصال لا أدري أيتهن أعجب، انتهينا على شاطيء البحر، فقال: سموا واقتحموا، فسمينا واقتحمنا فعبرنا، فما بل الماء إلا أسافل أخفاف إبلنا، فلما قفلنا صرنا بعد بفلاة من الأرض، فليس معنا ماء فشكونا عليه، فصلى ركعتين ثم دعا، فإذا سحابة مثل الترس ثم أرخت عزاليها، فسقينا واستقينا، ومات بعد ما بعثه أبو بكر إلى البحرين، لما ارتدت ربيعة فأظفره الله بهم وأعطوا ما منعوا من الزكاة، ومات فدفناه في الرمل، فلما سرنا غير بعيد، قلنا: يجيء سبع فيأكله، فرجعنا فلم نره) رواه الطبراني.
وكما حصل لعامر بن فهيرة، فعن عروة بن الزبير قال: (لما قتل الذين ببئر معونة، وأسر عمرو بن أمية الضمري قال له عامر ابن الطفيل: من هذا؟ فأشار إلى قتيل، فقال له عمرو بن أمية: هذا عامر بن فهيرة، فقال: لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض ثم وضع) رواه البخاري.
وقد روى ابن المبارك عن الزهري قال: (زعم عروة بن الزبير أن عامر بن فهيرة قتل يومئذ فلم يوجد جسده، يرون أن الملائكة دفنته) .
وغيرهم كثير، وهذا لا يدل على أن بقاء الجسد أفضل من فنائه، بل فناؤه في سبيل الله أعظم أجرا من بقائه، ولكن لا شك أن الفناء داخل في البلاء، والعافية أوسع للعباد.
وقد وفق الله بعض الشهداء لهذه الميتة، وحرص السلف ومن بعدهم إلى وقتنا المعاصر على هذه الميتة، فكانوا يدعون الله تعالى بها ويتمنونها، حتى أكرم الله أقواما فماتوا بها، فمن القصص في ذلك:
• روى محمد بن اسحاق في قصة شهداء بئر معونة فقال: حدثني إسحاق عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيرهم من أهل العلم قالوا: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ... وكان في السرح عمرو بن أمية الضمري ورجل من الأنصار أخو بني عمرو بن عوف، فلم ينبئهما بمصاب إخوانهما إلا الطير تحوم على العسكر، فقالا: والله إن لهذا الطير لشأنا، فأقبلا لينظرا، فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة"."