وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن عبدالله بن جحش قال له يوم أحد: (ألا تدعو الله، فخلوا في ناحية، فدعا سعد فقال: يا رب إذا لقيت العدو، فلقني رجلا شديدا بأسه، شديدا حرده، أقاتله ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سبله، فأمن عبدالله بن جحش، ثم قال: اللهم ارزقني رجلا شديدا حرده، شديدا بأسه، أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدا قلت: من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك - صلى الله عليه وسلم -، فتقول: صدقت قال سعد: يا بنى كانت دعوة عبدالله بن جحش خيرا من دعوتي، لقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلقان في خيط) رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي، ورواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
وهذا من الأدلة على أنه سبب في تفضيل الشهادة، وإلا لما دعا الله به، وأن التضحيات من أجل الله محبوبة إليه، فإنه إنما دعا بذلك من أجل أن يقول أنه فعل به ذلك من أجل الله، وتضحية في سبيله.
وهذا حمزة يوم أحد استشهد ومثل به، فروى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله مر على حمزة وقد مثل به فقال (لولا أن تجد صفية في نفسها لتركته حتى تأكله العافية(السباع والطير التي تقع على الجيف فتأكلها) حتى يحشر من بطونها) وقلت للثياب، وكثرت القتلى ..."رواه أبو داود، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود."
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حمزة: (لولا جزع النساء لتركته حتى يحشر من حواصل الطير وبطون السباع) رواه الحاكم والبزار والطبراني، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف.
وفي رواية ابن اسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير مرسلا (لولا أن تحزن صفية ويكون سنة من بعدي) .
فهو رضي لمن هو من أحب الناس إليه - وهو عمه - أن يترك كي تأكله السباع والطير، ويفنى جسده في سبيل الله، ليكمل أجره، وهذا يدلك على أنه سبب في تفضيل الشهادة وزيادة درجاته.
قال المباكفوري في تحفة الأحوذي:"إنما أراد ذلك ليتم له به الأجر ويكمل، ويكون كل البدن مصروفا في سبيله تعالى إلى البعث، أو لبيان أنه ليس عليه فيما فعلوا به من المثلة تعذيب حتى إن دفنه وتركه سواء، قاله أبو الطيب"أنتهى كلامه.