ويؤكدون طيب الدماء وطيب الأشلاء وانهال الثناء، وضرعت الأكف بالرجاء إلى فاطر الأرض والسماء أن يتقبل الشهداء وأن يلحق بهم الأحياء.
وبعضهم يكرم بحماية جسده وحفظه، كما أكرم عاصم بن ثابت رضي الله عنه، وقد كان عاهد الله أن لا يمس مشركا ولا يمسه.
• فورد عن بريدة بن سفيان الأسلمي أنه قال:(أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث عاصم بن ثابت وزيد بن دثنة أحد بني بياضة وخبيب بن عدي ومرثد بن أبي مرثد إلى بني لحيان بالرجيع فقاتلوهم حتى أخذوا لأنفسهم عقدا إلا عاصم فإنه أبى وقال: لا أقبل اليوم عهدا من مشرك ودعا عند ذلك وقال: اللهم إني أحمي لك اليوم دينك فاحم لي لحمي فجعل يقاتل ويقول:
ما علتي وأنا جلد نابل * تزل عن صفحتي المعابل * الموت حق والحياة باطل *
ويقول وهو يحرض نفسه:
أبو سليمان وريش المقعد * وضالة كالجحيم الموقد * إذا النواحي ارتعشت لم أرعد *
فلما قتلوه كان في قليب لهم، فقال بعضهم لبعض: هذا الذي آلت فيه المكية وهي السلافة أحد بني الأفلح بن عمرو بن عوف وكان عاصم يوم أحد قتل لها نفرا ثلاثة كلهم صاحب لواء قريش يومئذ وهم من بني عبد الدار فجعل يرمي ـ وكان راميا ـ ويقول: خذها وأنا ابن الأفلح فتؤتى به فتقول كلما أتيت بإنسان: من قتله؟ فيقولون: ما ندري غير أنا سمعنا رجلا وهو يقول: خذها وأنا ابن الأفلح، فقالت: أفلحنا، فحلفت لئن قدرت على رأسه لتشربن في قحفة الخمر، فأرادوا أن يحتزوا رأسه ليذهبوا به إليها، فبعث الله رجلا من دبر فلم يستطيعوا أن يحتزوا رأسه ... )رواه سعيد بن منصور في سننه.
ومعنى قوله (رجلا من دبر) أي جماعات وطائفة عظيمة من النحل والزنابير.
قال الحافظ في الفتح على حديث بئر معونة وحماية عاصم وقتل خبيب ودعاء عاصم:"وفيه استجابة دعاء المسلم وإكرامه حيا وميتا وغير ذلك من الفوائد مما يظهر بالتأمل، وإنما استجاب الله له في حماية لحمه من المشركين ولم يمنعهم من قتله لما أراد من إكرامه بالشهادة ومن كرامته حمايته من هتك حرمته بقطع لحمه"انتهى كلامه.
فلما أراد المشركون أخذ جسده أرسل الله إليه الدبر فحمت جسده فما استطاعوا أخذه.