فأقتل فيك ثانية، قال الرب عز وجل: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون قال: وأنزلت هذه الآية (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا) الآية) رواه الترمذي، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.
فهذا فضل ناله الشهيد عبد الله بن حرام رضي الله عنه، وكلمه الله تعالى مواجهة ورؤية بلا حجاب ولا واسطة، والصحيح عدم خصوصية عبد الله بن حرام بهذا الفضل، بل يعم هذا الفضل غيره من الشهداء لأدلة أخرى.
فقد ورد أدلة أخرى تدل على عموم هذا الفضل للشهداء، فمن ذلك حديث ابن مسعود المتقدم وفيه (فقال:(أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوى إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شئ نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا) رواه مسلم.
فقوله في الحديث (فاطلع إليهم ربهم اطلاعة) يفيد أنه يظهر لهم ويرونه، فإن الاطلاع والطلع يفيد في اللغة الظهور والرؤية، قال القرطبي في المفهم"قوله (فاطلع إليهم ربهم اطلاعة) أي تجلى لهم برفع حجبهم، وكلمهم مشافهة بغير واسطة، مبالغة في الإكرام وتتميما للإنعام"انتهى كلامه، وهذا يفيد الاطلاع على عموم الشهداء، وأيضا الخطاب الذي خوطب به هؤلاء الشهداء على العموم هو نفس الخطاب الذي وجه لابن حرام.
ومما يدل على عموم رؤية الشهداء لله تعالى في البرزخ، ما جاء عن أنس رضي الله عنه قال (بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أقواما من بني سليم إلى بني عامر في سبعين، فلما قدموا قال لهم خالي: أتقدمكم فإن أمنوني حتى أبلغهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإلا كنتم مني قريبا، فتقدم فأمنوه، فبينما يحدثهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أومؤوا إلى رجل منهم فطعنه فأنفذه، فقال: الله أكبر فزت ورب الكعبة، ثم مالوا على بقية أصحابه فقتلوهم إلا رجلا أعرج صعد الجبل - قال همام فأراه آخر معه - فأخبر جبريل عليه السلام النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم قد لقوا ربهم فرضي عنهم وأرضاهم، فكنا نقرأ: أن بلغوا قومنا أن لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا) رواه البخاري.