فهرس الكتاب

الصفحة 315 من 672

وليس معنى هذا الكلام أن أجسادهم حية حياة كاملة كما كانوا في الدنيا، ولكن المراد إثبات حصول نوع من الحياة والإدراك لأجسادهم، ولا يجوز أن يتخذ هذا ذريعة لدعائهم والاستغاثة بهم بعد مماتهم، فإن هذا شرك أكبر، إذ الدعاء والاستغاثة لا تجوز إلا بالله تعالى، وهذا أمر لم يفعله الصحابة ولا السلف.

وهذه المظاهر تدل على أن حياتهم في البرزخ أكمل من حياتهم في الدنيا وأطيب وأقوى كما سبق بيانه، وهذه الحياة لا يدركها الناس ولا يعلمون حقيقتها وكنهها، ولهذا قال الله عز وجل: (بل أحياء ولكن لا تشعرون) أي لا تعلمون، وقال تعالى: (بل أحياء عند ربهم) قال المناوي في الفيض:"فائدة التقييد بالعندية الإشارة إلى أن حياتهم ليست بظاهرة عندنا، وهي كحياة الملائكة"انتهى كلامه.

وهنا مسألة هل يجوز أن يقال عن الشهيد أنه ميت؟ وماذا يجاب عن هذه الآية (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء) ؟

الجواب: أن إطلاق ذلك على اعتبارين:

الأول: أن يطلق عليه ذلك بمعنى أنه كبقية الموتى في حالهم في البرزخ، أو أن أرواحهم ليست حية، أو لا يعطون أجسادا يتنعمون فيها تنعم الأحياء، فهذا الذي نهى عنه القرآن، فليس حالهم كحال بقية الموتى في البرزخ، بل حالهم أسمى وأشرف، وهم في حياة في البرزخ كما سبق بيانه.

الثاني: أن يطلق عليه ذلك بمعنى أنه خرجت روحه من جسده، وخرج من الدنيا، وكان له حكم الأموات من قسم الميراث وغيره، فهذا جائز، وقد ورد عند ابن المبارك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (من ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؟) فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، قال: فخرج يطوف في القتلى حتى وجد سعدا جريحا قد أثبت بآخر رمق، فقال يا سعد إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني أن أنظر له أمن الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: فإني في الأموات، أبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مني السلام، وقل له: إن سعدا يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام، وقل لهم إن سعدا يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف"وهذا مرسل، وقد رواه الحاكم عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت