اجلس نسترح، فأعطاني عنقود عنب في غير أوانه، ورغيفين من خبز وكوز ماء، ما أكلت ولا شربت ألذ منهما، فقال: لعلك تريد النوم؟ فقلت: نعم، فرقدني على فخذيه، فغلبني النوم حتى ضربتني الشمس، فلم يوجد في الوادي أحد، وإذا برأسي على عظم ابن آدم، فعلمت أنهم الشهداء.
فكمنت ذلك اليوم، فلما جن الليل، وإذا أنا بعساكر تجوز علي ويسلمون علي، وهم يذكرون الله وإذا في آخر القوم رجل تحته فرس أعرج، فأدركني فسلم علي، فقلت: يا أخي من هؤلاء؟ قال: هم الشهداء مضوا إلى زيارة أهليهم، فقلت: ما بال فرسك يعرج؟ فقال لي: بقي علي من ثمنه ديناران، فقلت: والله لئن رجعت إلى بلاد الإسلام لأقضينهما عنك.
فانطلق الفرس حتى لحق بالقوم، ثم رجع إلي فأردفني، فلما صرخ الديك وصلنا إلى مدينة سالم، وبيننا وبين الموضع الذي حملني منه مسيرة عشرة أيام، فقال: أدخل هذه المدينة فإني كنت بها فاسأل عن دار محمد بن يحيى الغافقي، وادع زوجتي واسمها فاطمة بنت سالم، وسلمعليها، وقل لها في الطاقة جرة فيها خمسمائة دينار، ردي منها دينارين بقيت من ثمن الفرس لفلان بن فلان، ففعلت ما أمرني به، فاستخرجت المرأة الجرة، فأعطتني طعاما، وأعطتني عشرة دنانير، وقالت: استعن بها على سفرك.
ذكر هذه الحكاية الجزولي في شرح ديباجة الرسالة.
قال المؤلف: وقد سمعت من غير واحد أن المجاورين لمؤتة يرون الشهداء من بعد في المعترك في كثير من الأوقات، يذهبون ويجيئون كرا وفرا، ويشاهدونهم بأعينهم غير مرة ليلا ونهارا، وقد كنت توجهت إلى الاسكندرية في سنة إحدى وثمانمائة، فمررت برشيد فرافقني جماعة من أعياننا فمررنا بتل من غربيها يعرف بتل بوري، وقد كان حصل فيه معترك بين المسلمين والفرنج، واستشهد به جماعة، فحكوا لي وبعضهم يصدق بعضا عن رجل من أهل رشيد أثنوا عليه خيرا أنه مر ليلة بهذا التل، فوجد به عسكرا وخياما ونيرانا، فظن أنه اليزك جاء من القاهرة، ونزل هناك قالوا: فدخل بينهم أو قالوا: فخرج رجل من العسكر، فأخذه بيده وأدخله بينهم، فسألوه إلى أين متوجه؟ فأخبرهم أنه متوجه إلى القاهرة، فقال له بعضهم: إني مرسل معك كتابا إلى أهلي، فأوصله إليهم، ثم كتب كتابا ودفعه إليه، وعرفه أمارة بينه وبين أهله، قال: فلما وصلت إلى القاهرة سألت عن البيت، فأرشدت إليه، فلما طرقت الباب، قالوا: ما تريد؟ قلت: معي كتاب من فلان، فقالوا لي: أنت مجنون؟ إن فلانا قتل بالوقيعة برشيد منذ سنين، فلما ذكرت لهم الأمارة عرفوا صدقي، ودفعت إليهم الكتاب، فتعجبوا لذلك غاية العجب أو كما حكوا.