ولا يلزم من كونه في جوف طير أخضر أن يكون مضيقا عليه في الجسد أو محبوسا، فإن الآدمي في الدنيا تكون روحه في جسده ولا يشعر بالضيق، قال المناوي في الفيض:" (إن أرواح الشهداء في طير خضر) أي يكون الطائر ظرفا لها لقوله في خبر أبي داود (في أجواف طير) وليس هذا بحصر ولا بحبس، لأنها إما أن توسع عليها كالفضاء، أو يجعل في تلك الحواصل من النعيم ما لا يوجد في فضاء واسع"انتهى كلامه.
ثم يكون الشهيد على هذه الحال والنعيم، ويبقى في هذا الجسد إلى حين ينفخ في الصور النفخة الثانية، فتعاد الأرواح إلى أجسادها الأولى، ويبعثون ليوم القيامة بحياة أخرى أكمل من حياتهم في البرزخ، وأكمل من حياتهم في الدنيا، وأما بقية الأموات فإنهم عند خروج أرواحهم تبقى أرواحهم بلا أجساد ولا رزق إلى يوم القيامة، على خلاف بين العلماء في الرزق لهم وفي دخولهم الجنة مباشرة من موتهم.
قال ابن القيم في قصديته النونية:
فالشأن للأرواح بعد فراقها *** أبدانها والله أعظم شان
إما عذاب أو نعيم دائم *** قد نعمت بالروح والريحان
وتصير طيرا سارحا مع شكلها *** تجني الثمار بجنة الحيوان
وتظل واردة لأنهار بها *** حتى تعود لذلك الجثمان
لكن أرواح الذين استشهدوا *** في جوف طير أخضر ريان
فلهم بذاك مزية في عيشهم *** ونعيمهم للروح والأبدان
بذلوا الجسوم لربهم فأعاضهم *** أجسام تلك الطير بالإحسان
ولها قناديل إليها تنتهي *** مأوى لها كمساكن الإنسان
فالروح بعد الموت أكمل حالة *** منها بهذي الدار في جثمان
ومن مظاهر حياة الشهيد في البرزخ: