فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 672

الشديدة، وسمحوا بها للفناء امتثالا لأمر الله وطلبا لمرضاته، عوضهم عنها أجسادا لطيفة في دار النعيم الباقي، يأكلون بها ويشربون ويسرحون في الجنة حيث يشاؤون، ولما كان ألطف الحيوانات أجساما الطير، وألطف الألوان الأخضر، وألطف الجمادات الشفافة الزجاج كما قال تعالى: (الزجاجة كأنها كوكب دري) وإن كانت من ذهب كما في حديث ابن عباس فهو المفرح طبعا وخاصية وناهيك بذهب الجنة مفرحا، فلذلك - والله أعلم - جعل أرواح الشهداء في ألطف الأجساد وهو الطير، الملون بألطف الألوان وهو الخضرة، يأوي إلى ألطف الجمادات وهي القناديل المنورة والمفرحة في ظل عرش اللطيف الرحيم، لتكمل لها لذة النعيم في جوار الرب الكريم، فكيف يظن أنها محصورة؟ كلا والله إن هذا لهو الفوز العظيم، لمثل هذا فليشمر المشمرون وعليه فليجتهد المجتهدون"انتهى كلامه."

قال العز في كتابه أحكام الجهاد وفضائله:"أحيا القتلى فيه بعد مماتهم، وعوضهم عن حياتهم التي بذلوها لأجله بحياة سرمدية، لا يصفها الواصفون ولا يعرفها العارفون، وكذلك لما فارقوا الأهل والأوطان أسكنهم في جواره وآنسهم بقربه بدلا من أنس من فارقوه من أحبائهم لأجله، فطوبى لمن حصل على هذا الأجر الجزيل في جوار الرب الجليل"انتهى كلامه.

وهناك أقوال أخرى في تفسير حياة الشهيد، فقيل: إن معنى كونهم أحياء أنهم يكتب لهم في كل سنة ثواب غزوة، ويشركون في كل جهاد كان بعدهم إلى يوم القيامة.

وقيل: لأن أرواحهم تركع وتسجد تحت العرش إلى يوم القيامة كأرواح المؤمنين الذين باتوا على وضوء.

وقيل: لأن الشهيد لا يبلى في القبر ولا تأكله الأرض فهو حي بهذا الاعتبار.

وقيل غير ذلك، والصحيح القول المقدم ذكره، وهو الذي صرحت به الأدلة، وأنها - كما صحح القرطبي في تفسيره - حياة محققة، وأنهم أحياء في الجنة يرزقون كما أخبر الله تعالى، وأرواحهم في جوف طير خضر ويرزقون ويتنعمون كأن حياة الدنيا دائمة لهم، وهذا الذي يشهد به النقل والذي عليه المعظم.

ولو قارنا بين ما يتاح للحي في الدنيا، وما يتاح للشهيد الحي في البرزخ، لعلمنا أن حياة الشهيد أكمل وأقوى وأطيب، فالشهيد في البرزخ يتاح له ما يتاح للحي وزيادة بأضعاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت