فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 672

وأيضا لما طلب بنو إسرائيل من نبيهم أن يُكتب عليهم القتال، وأن يُبعث إليهم ملك يقاتلون معه، فلما كُتب عليهم القتال وبُعث إليهم الملك، أبوا القتال والجهاد إلا قليلا منهم، فكان عددهم ثمانين ألفا كما قال السدي، ولم يقاتل في النهاية إلا ثلاثمائة وبضعة عشر، كما ورد عن البراء رضي الله عنه قال: (كنا - أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت، الذين جازوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة) رواه البخاري.

أما أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فكانوا على العكس منهم، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (شهدت من المقداد بن الأسود مَشْهدًا، لأن أكون صاحبه أحبَّ إلي مما عدل به: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى لموسى:(اذهب أنت وربك فقاتلا) ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك، وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أشرق وجهه وسره - يعني قوله -) رواه البخاري وذلك يوم بدر.

وكانوا يتحرقون على الجهاد والاستشهاد، ويبكون إذا لم يجدوا محملا لهم إلى الجهاد، وانظر إلى غزوة تبوك، لم يتخلف من الصحابة المؤمنين إلا ثلاثة فقط من بين أربعين ألفا، مع أنها كانت في شدة الحر، وطيب الثمار، وبعد المسافة، وقوة العدو، فشتان بين الفريقين.

وإنما قدمنا هذه المقدمة، لأن الشهادة فرع عن الجهاد، فإذا لم يكن ثم جهاد فلا شهادة هناك بالمعنى الاصطلاحي، وقد عرفت فيما سبق أن الجهاد لم يكن مشروعا لجميع الأمم، ولم يبق من الأديان السماوية - سوى الإسلام - إلى هذا الزمان إلا اليهودية والنصرانية، على تحريف فيهما.

أما اليهودية، فكان عندهم جهاد كما سبق بيانه من ذكر موسى عليه الصلاة والسلام وقومه في الأرض المقدسة، وأما الشهادة بالمعنى الاصطلاحي فكانت موجودة عندهم أيضا لوجود الجهاد، وكان الشهداء عندهم من هذا النوع كثير، كما قال تعالى {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} آل عمران. فهذه الآية لها قراءتان صحيحتان متواترتان، القراءة الأولى (من نبي قاتل) أي الربيون - وهم الجماعات الكثيرة - قاتلوا مع الأنبياء وجاهدوا معهم، والقراءة الثانية (من نبي قُتل) أي أن الربيون قُتلوا مع الأنبياء، وعلى هذه القراءة يكون عدد المقتولين كثيرون، ولم يكن الجهاد مشروعا عند أحد من الأنبياء إلا موسى عليه الصلاة والسلام وبعض الأنبياء بعده من بني إسرائيل، فيكون المقصود

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت